صورُ ضحايانا التي لا تنطق

أحمد عمر – المدن

لمَ نجحت الفيتنامية كيم فوك في إيقاف الحرب في سنة 1973 وأخفق إيلان وعمران وآلاف الأطفال الشهداء الذين طحنوا وعجنوا بالأنقاض عجناً؟

دمرت عوائل كاملة، وأحياء كاملة، وقرى كاملة، ثم دمرت أقدم وأعرق مدينة على وجه الأرض. هذه بلاد قتلت بكل أنواع الأسلحة، السكين أحدها، وكان أرقها – يا دمشق – هو غاز السارين، فقتلى السارين هادئون، كأنما هم نائمون. التعذيب والقتل صار هواية مثل جمع الطوابع وكش الحمام..، المرسل إليه دائما هو غودو المنتظر الذي لن يأتي إلا على سجادة حمراء إلى “مهرجان” كانْ الدموي وفيلم نهاية العالم.

أي لقاح أعطي هذا العالم القحب حتى أصبح ممنوعا وعصيا على التأثر بصورة الضحية السورية، ومصابا بزيادة المناعة المكتسبة؟ أي بول شيطان غمس فيه هذا الأخيل الغربي، الذي جعل ضميره في كعب جزمته؟

لمَ لا تؤثر صورنا التي لان لها الحجر وتفطر قلبه مثل كبد خلوج ناقة ابن رومي في العالم؟ لمَ بقيتْ صورة السوري القتيل، الغريق، الحريق: سلبية،” نيجاتيف”؟

جرت دماء السوريين أنهارا، وسيجد الباحث في ألبوم الألم اليومي آلاف الصور، قصفاً بصنوف الأسلحة “الذكية” مثل البراميل، والأسلحة الغبية مثل الذبح بالسكاكين، وحرقا للأحياء بالنار، ودفنهم أحياء، فرادى وجماعات للتسلية أو لمكافحة الإرهاب، وركلاً للمتظاهرين حتى الموت. وكان أول ركل حتى الموت سمعنا به إعلامياً من منتهى باشا الأطرش. رعب تعجز عن وصفه خيالات أفلام الرعب، لكن صورنا لا تؤثر في عالم ضميره في كعب جزمته: صم بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ !

أخبرني ناجٍ من السجن بعد مظاهرة حموية رقيقة، كأنما خرج فتيانها العطاش لمواعدة أجمل انجلينا جولي في العالم، بالورد والهتاف وبالأناشيد؛ أن الفتى الذي سلّم فلاشات مخازن الصور المروعة إلى السفير الأمريكي في حماة، حُوِّل في السجن إلى كعكة مدورة، من خلف، وقُوِّس الفتى تقويساً، كانوا يسقونه الماء وهو مقوس، ويطعمونه كسرات الخبز وهو مقوس، ويتغوط وهو مقوس، حتى يعيش، حتى آخر الأنين.

  قال الفريق الفني التركي الذي أشرف على تنظيم إحدى عشرة ألف صورة في فئات عمرية وقتلية، تلك التي سرّبها الضابط، الذي لُقب بالقيصر ، وما هو بالقيصر، فقد جعله الغرب كومبارسا، إنه كان يعاني من الكوابيس في اليقظة والنوم،  وإن الصور جعلتهم يعوون في الليل مثل بنات آوى، ويقيعون مثل الخنانيص من الهذيان والحمى، لكن العالم  يحب خبر داعش، داعش هوليودية مثلهم، وهم يحبون أفلام هوليود، يحبون عدوا فيه اسم الإسلام، فالحرب لا تحلو إلا بالعقائد، ولذلك ينشد الجعفري في نيويورك أناشيد نزار قباني، وكأنه في شرفة بيته، وبعـضُ الحـبِّ ذبّاحُ. والجعفري يضيف اسم جبهة النصرة وأحرار الشام وخود نفس … فداعش مفروغ منها، وداعش هي الفرقة السلفية الموسيقية التي أفرطت في الاهتمام بالصورة وصليل الصوارم، وقد كانت السلفية قبل سنوات تحرم التصوير، فأبدعت في عمليات التصوير وسبحان الله الملك الديان الذي قلب الحبل إلى ثعبان. داعش تذِّكر دائما بمجرم أمريكي خالص، وهي تخاطب الغرب، وتعتمد زي الإعدام البرتقالي، والذي يستخدمه الكفار الحبايب! قال المحترفون في التحليل: إن صور داعش غير حقيقية، فهي مصنوعة، المهم أن صورة الألم السوري “بالأنتي افكت” معطلة ولا تصل: ” فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَـكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ”.

سورية كانت في الحقبة الماضية باطنية، يوتوبيا فاضلة: ما أن يسعل غاضب أو ناشط حتى يغيب وراء الشمس شهورا أو سنوات. وإذا كان معروفا أو من الأقربين قد تشدُّ أذنه في الفرع: شهورا، فممنوع نشر الغسيل الوسخ، ولم تكن سورية تغتسل أبدا، ولم تغسل غسيلها الوسخ، فكيف تغسل الجثث المنتنة يا مولاي؟

حاول بيان التسعة والتسعين أن يؤمن ماء للغسيل، ففعل بهم النظام ما فعل. ويمكن تذكر عشرات الأخبار والصور التي كان السوري يُسكّن بها حلمه: كلمة  جريئة في الاتجاه المعاكس، كلمة يقولها رياض الترك عند وصفه الأسد بالدكتاتور …،والسوري كان يطرب ويفرح لصيحة تمثيلية في مسلسل مرايا، أو لهمام حوت في مسرحه، وينظر واحدهم إلى الممثل، وهو ممثل ليس أكثر،  والممثل بلا شخصية ثابتة تقريبا، كما لو أنه عنترة بن شداد في وغى المعركة، ويهمس واحدنا إلى الأخر، مذهولا، ويقول: شفت.. الضرب تحت الزنار!

كانت سورية قبل ست سنوات، مختومة بالرصاص تقريباً، مثل القمقم، أو مضروبة بالرصاص، الرصاص تعبير ذو وجهين، كان النظام يريدهما حزبين معارضين، هما مرايا وبقعة ضوء، حزبا آخر السهرة، فنضحك. الضحك يهدد الطغيان، لكنه ينفّس أمعاء الطغيان الغليظة أيضا.

ثم راحت أيام وجاءت أيام، فرأينا سورية الماتركس (يدي في زنار جداتكم هاتوا لي وصفا مناسبا للطغمة الحاكمة) مكشوفة مثل إست العنزة، صورٌ على مدار الساعة، وما خفي أعظم طبعا؛ براميل وصواريخ وجرائم يشيب لهولها الغراب، وعشرات الآلاف من الصور نقلها الضابط المنشق الملقب القيصر، وما هو بقيصر. وقصف على مدار الساعة والجعفري يضحك، ويقول أشعارا في مهرجان عكاظ في نيويورك. وكانت صورة وحيدة هي صورة كيم فوك، قد أوقفت الحرب على فيتنام.

ويذكر الجميع كيف جنّد النظام السوري كبار محلليه السياسيين أمثال قنديل، وشحادة، ووهاب.. كي يكرر يوميا: إنها صور مفبركة، أي ملفقة في استوديوهات قطر، ثم تقلصت أحلام السوري إلى حلم بسيط، وهي أن تؤثر صورة طفل ميت أو ناج في هدنة ساعات. صار كل أملنا أن ينقذنا طفل، كما أهلكنا طفل. لن ينقذنا الأطفال، فضمير الغرب القاسي الجلمود القحب في كعب جزمته. ولن تنقذه جثة إيلان، التي تحدث عنها الإعلام يومين أو ثلاثة، ثم مات، واستبشرنا خيرا بصورة الطفل عمران ، وبكت علينا مذيعة، فسعدنا ببكائها، ثم بكت ثانية، وصار بكاؤها هو الخبر! لأن النظام العالمي عوّم دم السوري، كما تعوّم العملة أصيب دم السوري بالتضخم، لا يشتري شيئا في سوق الهدن.

كانت سورية الماتريكس يوتوبيا فاضلة بلا أخبار أو صور، وهي الآن جهنم فاضلة، فيه كل هذه الصور والأخبار ولا تساوي شروى نقير!!

لم تنجح ملايين الصور، ونجح “الارتكاز المؤسس لمنحاه”.. ربما إلى حين.

هامش: عوداً من الختام إلى بدء العنوان، الفروق كثيرة بين صورة الضحية الفيتنامية والسورية: أولها أن الفيتناميين كانوا يحاربون الأمريكان، والأمريكان عندهم حساسية من الضحايا يفتقر إليها الروس. الثاني أنها بوذية، وليست مسلمة مثل إيلان أو عمران… الثالث أن فيتنام ليست مجاورة لإسرائيل. الرابع أن ضحايانا المشاهير هم من الأطفال الذكور وكيم أنثى. الخامس أن كيم كانت تركض في البراري وضحايانا يقتلون في المدن. السادس أنها كانت عارية، بعكس إيلان وعكس كل ضحايانا. السادس أنها كانت تبكي ولم يبك عمران ولم يبك إيلان، كانا صامتين. أما السابع فاجعلوها بعتبة بن ربيعة. والثامن أن صورنا لم تنل جائزة البوليتزر، ولم تحظ بلقب أشهر صورة في العالم. والتاسع: أني أهذي خالطا بين المتن والهامش، فأزرعوها بذقني، وليس بذقن عتبة بن ربيعة…

تابعنا على تويتر


Top