صوتان لنظام السيسي في مجلس الأمن

غازي دحمان – العربي الجديد

تصويت مصر على مشروعي قرارين متناقضين في مجلس الأمن، يدعو أحدهما (الروسي) صراحة إلى شرعنة الاحتلالات الروسية والإيرانية وتهديد وجود الشعب السوري، لا يتسق منطقياً مع الدور المفترض لمصر سياسياً، ولا مع سياق مصالحها الأمنية والسياسية، ولا مع النسق الذي يجتمع في إطاره شعب مصر مع باقي الشعب العربي في المنطقة.

يعبر الإقليم، في هذه اللحظات، أحد أخطر مراحله السياسية، حيث يجري التأسيس لمشاريع جيوسياسية بعيدة المدى، وتعمل الأطراف على إحداث تغييراتٍ عميقة في جغرافية المشرق، تنذر بتغيير هوية هذه المنطقة اجتماعياً وإعادة تركيبها سياسياً بما يتفق مع طموحات أصحاب تلك المشاريع. وعلى وقع ذلك، يبدو من الطبيعي أن تتشكّل، لدى الدول الإقليمية، صغيرها وكبيرها، غرف عمليات لمواجهة هذه العاصفة، لكن الخفّة التي ظهرت بها مصر في مجلس الأمن تستدعي التساؤل عن الطريقة التي يدير فيها نظام القاهرة المتغيّرات الإقليمية الجارفة وطبيعة المقاربة التي ينطلق منها؟.

تمثلت مكانة مصر وعبقرية سياستها على مر العصور، على الأقل منذ زمن محمد علي، بقدرة قياداتها السياسية على دمج طموحها بتطلعات الأقاليم المجاورة، وطالما شكّل هذا الأمر محرّكات فاعلة لنجاح سياسات مصر وتوليد أيديولوجيا تعبرعن المرحلة وتطلعاتها. كان قادة مصر، على الدوام، يستشعرون الحساسية السياسة لحضور مصر وفعاليتها، لذا عرفوا أن تظهير هذا الدور مثلما يحتاج الجرأة والإقدام يحتاج القدرة على التقاط الظرف المناسب للعب أدوارهم، وتمريرها في سياقات طبيعية.

جعلت تلك السياسات مصر دائما في موقع اللاعب الإقليمي، الذي لا يمكن تجاوزه في أية ترتيبات، بل تجاوز تأثيرها دائرة نفوذها بكثير في بعض المراحل، صحيح أن مشاريع مصر الإقليمية كانت قد تعرّضت لنكساتٍ كبرى، تيجة توسيع بيكار مساحة الأدوار حيناً، وحصول متغيرات دولية طارئة أحياناً أخرى، كنها كانت، في كل مرحلةٍ، تؤسس واقعاً جديداً في مجالاتها الجغرافية، واقعاً وإن كان يحد من فعالية مصر، لكن الأمور لا ترجع معه إلى الخلف، وحتى بعد خسارتها كانت تبقى لاعباً مؤثراً ويحسب حسابه.

أما أن تصل مصر إلى مرحلة من الإسفاف بأن تتخلى عن موقعها ودورها وتنشغل السياسة فيها بسفاسف الأمور، فذلك انحراف خطير في مسار صنع السياسات الإقليمية وحتى الأمنية، والذي طالما اعتبر جزءاً من صناعة السياسة الداخلية، نظراً لمعادلات الترابط والتأثير بين الأمن الداخلي لمصر والمتغيرات الحاصلة على الحدود وفي البر الجغرافي الممتد من إيران وتركيا شمالاً حتى إثيوبيا جنوباً، ومن مراكش في الغرب حتى الخليج في الشرق، بحكم شبكة المصالح المصرية والانتشار البشري المصري في تلك الأقاليم.

كيف لمصر أن تتساكن مع العزم الروسي على احتلال بلد عربي، بما يجعل احتمالات تفكّكه حاضرةً بنسبة كبيرة، نتيجة اصطفاف روسيا مع أحد أطراف الصراع، والذي لا يخفي موقعه في الصراع طرفاً طائفياً؟ وكيف لا تتنبه للمخاطر التي يرتبها السلوك الروسي تجاه الكتلة الأكبر من الشعب السوري على الاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي في المنطقة؟ ألم تكتشف القيادة في مصر أن شبكة قنوات تغذية الأفكار مترابطة إلى مدى بعيد في الجغرافية العربية، وأن التأثيرات الحاصلة في بلد عربي ما تنتقل بأسرع من رفّة جناح الفراشة؟

وكيف لا تستشعر الخطر الإيراني الذي يهدف، بدرجةٍ كبيرة، إلى تفكيك النظام الإقليمي، وعزل مكوناته وإضعافها، وقد شكل هذا النظام الحاضنة الطبيعية لمصر التي لا يمكنها تأسيس أي شكلٍ من الأدوار والنفوذ، من دون دعم تلك الحاضنة وتدعيمها؟ أي نظام إقليمي سيبقى، بعد أن يستتب الوضع لإيران في سورية والعراق. يقول المنطق إن مصالح مصر تستدعي عرقلة المشروع الإيراني ومحاربته، والوقوف ضد روافد دعمه، حتى لو كانت مشتبهة وغير مؤكدة، فما بالنا وروسيا تعمل علناً على تكريس الهيمنة الإيرانية في المنطقة، بل لم يخجل وزير خارجيتها بالتصريح أن بلاده لن تسمح للأكثرية العربية في الوصول إلى الحكم في سورية، ما يعني بوضوح تسليم البلد لإيران وأتباعها.

كيف يقارب المطبخ السياسي المصري كل هذه التطورات، ومن أية زاوية نظر يقرأها؟ هل يعتقد أنها تحمل له فرصاً معينة، تدفعه إلى تسهيل موضعتها؟ وما هي الفرص التي يمكن انتظار تسربلها من القبضتين الروسية والإيرانية، بعد سيطرتهما على الجناح الشرقي في العالم العربي؟ بالتأكيد، ستشكل هذه التطورات اتجاهات الأحداث القادمة في المشرق، والتي إن لم تجر مقاومتها الآن، في ظل وجود فرصة دولية وإقليمية مواتية، لن يمكن تغييرها مستقبلاً، وستنتج عنها، بالضرورة، صياغة شبكة علاقات إقليمية تحتل مصر فيها وضعية دفاعية ودوراً هامشياً، وسينعكس هذا الأمر على مصالحها واستقرارها الداخلي.

استطاع نظام السيسي هضم موقفين متناقضين في مجلس الأمن برفّة عين، وهو لم يستطع احتضان إقليمه العربي النازف، ولا الجزء الأكبر من شعبه المختلف معه سياسياً، وما زال يشتغل على أساس أن الربيع العربي أم المخاطر، من دون أن يدرك أن المخاطر تتغير وتتبدّل، ويتوجّب معها تغيير السياسات والمدارك.

تابعنا على تويتر


Top