سوريا والعقلانية السياسية

طيب تيزيني – الاتحاد

راح جمع من الدبلوماسيين والسياسيين العسكريين يعلنها دون غمغمة، بأن الحل في سوريا انتهى إلى أن أصبح عصياً على جهود المجتمع الدولي في الخيار السلمي. وانتهى الأمر إلى الاعتقاد بأن العالم عاد إلى «الحرب الباردة» ومن ثم إلى كل أشكال الحروب المباشرة، وبالوكالة، وعبر الدبلوماسية، وأخرى بصيغة قتال مفتوح، ناهيك عن الحروب المتنوعة المتتالية حتى تلك الكيميائية، وربما كذلك «النووية»! تجد سوريا الآن نفسها أمام أقوام من ذوي المصالح المتعددة والباحثين عن موطئ قدم لها في الوطن السوري: في الاقتصاد والثقافة والفن. الشعب السوري أسهم مع كثير من الشعوب في تكوين حضارة الشرق الأدنى والأقصى وما يقترب من حضارات أخرى، منها الأوروبية الوسطية. كما يلفت النظر التكوين الطبيعي لسوريا، الذي أسهم ويسهم في إرساء حضارة زراعية خصيبة يعمل فيها شعب يتشكل من عدد مفتوح من الطوائف والمذاهب الدينية، إضافة إلى تعددية ثرية في الأعراق والإثنيات، ما يضفي على الأمر خصوصية بالغة الأهمية من التعايش الديني والإثني والطائفي.

والأمر الذي لم يدع سوريا تنمو بمقتضى القوانين الطبيعية والمجتمعية والسياسية – الثقافية، التي واجهتها على امتداد تاريخي مديد، خصوصاً في العصر الحديث بسبب العثمانية والمطامع الكولونيالية، حتى انتهت إلى استقلالها الوطني.

ولعل التاريخ السوري الحافل بمواجهات الخارج النازي والداخل المُصادر في معظمه قدم «أسباباً» لانتهاء ذلك التاريخ. فالصراع الذي نشب في سوريا مع بداية الأحداث الدامية الراهنة، عام 2011 فاق كل ما سبقه. والأمر اللافت ها هنا أن ذلك الصراع أتى بمحاولة لفْت نظر السلطات آنئذ للاهتمام بقضايا الإصلاح وقضايا التقدم، وإنْ بطرق ووسائل مناسبة متدرّجة، وللأسف، جرى تجاهل ذلك، وهذا ما عمق الحكم الخطير التالي: إن تحقيق حدود معينة ومفتوحة من قضايا الإصلاح والتقدم في سوريا، مع بداية عام 2011، كان يمكن أن يعادل اللّف على ما أتى بعد ذلك من اشتعال للنار، وبعبارة أخرى نقول: لقد كان تناول القضايا المتعلقة بذينك المذكورين، الإصلاح والتقدم، يمكن أن يكون معادلاً لوجود سوريا نفسه، إضافة إلى الاستمرار في تدفقه واتساعه بحدٍّ من حدود الديموقراطية وآفاقها المفتوحة.

لقد رُفض ذلك المطلب التاريخي الشرعي، فظهر البديل الجهنّمي، هو الحرب والتدمير والتفكيك، على نحو غير مسبوق حقاً، وعقّد الموقف أكثر فأكثر أن معالجة المسألة بمحاولات تهجير عرقي طائفي من مناطق إلى أخرى ضمن الوطن السوري، وربما كذلك إلى خارجه، وهذا أحدث صدمة هائلة في ذاكرة السوريين التاريخية، كما في حياتهم المشتركة وازداد ذلك مع الأسف والأسى، أن هنالك من كان يعمل على إدخال مجموعات أخرى ومن بلد أو آخر حول سوريا إلى تلك المناطق التي أُفرغت.

وجاءت ثالثة الأثافي لتتركز في اندلاع حرب اخترقت الأكوان في المدينة الأكثر قدماً وعراقة في التاريخ، نعني حلب، أما المقاتلون، فبالطبع سنجد تباينات بينهم في المسكن والأفكار الإيديولوجية والانتماءات الطائفية، ولكنهم كلهم سوريون يعملون على مواجهة الغرباء، وهذا يعني ما وُجد على امتداد التاريخ السوري، نعني أن السوريين ينتمون إلى الوطن السوري الموحد طبيعياً جغرافياً وبشرياً: هذا ما تعلمه الكبار والصغار في مدارسهم، أما ما يُلجأ إليه من أساليب غريبة على السوريين، مثل القتل والتهجير، فهذا أمر يُؤسف له.

سوريا بلد الشهامة والتآخي والعقلانية السياسية بما يشوبها من حكمة واحترام للوطن، هي التي تستطيع أن تواجه الظلامية السياسية والعقلانية والدينية، ها هنا نضع يدنا على ما يجعلنا جديرين بوطن غذّى العالم برمته بمبادئ احترام الأوطان والشعوب.

تابعنا على تويتر


Top