وضع إرث “أبو جعفر” موضع التنفيذ

محمد رشدي شربجي

خرج منتصرًا من مئات المعارك وعشرات آلاف القذائف والبراميل والقنابل الفوسفورية، وقاد عمليات لواء “شهداء الإسلام” في ظل حصار خانق لثلاث سنوات بكفاءة فائقة أعجزت قوات الحرس الجمهوري، شكا قبلها بيوم لأحد المقربين أنه لم يستطع أن يأخذ زوجته وأطفاله الأربعة بفسحة في إدلب منذ خروجهم من داريا، ذهب في اليوم التالي إلى بحيرة في إدلب، البحّار السابق يفتقد السباحة منذ بدأت الثورة، لم تمهله الذكرى، ولا الخاطرة، ولا القدر، جرفه النهر ومات!

منذ خروجه من داريا، قسم أبو جعفر يومه عدة أقسام، قسم لإعادة ترتيب شؤون اللواء وتدريبه على نوع جديد من الأسلحة والمعارك، وقسم لزوجته وأطفاله الأربعة الذين لم يعرفوا طعم الراحة منذ بدأت الثورة، وقسم يغيب فيه في دهاليز الذكرى، وقسم كبير يخوض فيه معركته الشخصية.

لا تستحق الذكرى لديه غير الرثاء، ذاكرة معصورة بالدم والألم، وليس هذا سهلًا على من ارتبط كل مكان من سوريا بفقدان شقيق له، في داريا دفن بيديه “أبو عمر الحمصي”، في طرطوس أخاه أبو محسن، وفي دمشق أخاه أبو شهاب، أي معنى بقي للحياة لدى الأم بعد الرابع “أبو جعفر”؟ دائم الخوف أن ينسى، أن ينسى خسارته تحديدًا “جربنا كل الخسائر، فكان أقساها تلاشي صور من رحل رويدًا رويدًا من جدران الذاكرة، وبدء تلاشي ألوان وجوههم في مخيلتنا”.

لا شك أن أكثر ما فتك بالثورة السورية هو المناطقية، هذا المرض الذي استغله النظام وكرسه خلال الثورة، وهي التي جعلت قرى ومدنًا صغيرة تتعامل مع نفسها كدول مستقلة ذات سيادة، تعقد الهدن مع النظام وتقيم الصفقات بمعزل تام عما حولها، أبو جعفر الحمصي كان مختلفًا، فالرجل الذي ولد في قلعة الحصن في حمص، لا يرى في الثورة إلا نضالًا وطنيًا على كامل التراب السوري دون تمييز بين منطقة وأخرى وبين مدينة وأخرى، هذا جزء من إرث “أبو جعفر”.

معركة “أبو جعفر” الشخصية كانت أكبر من كل هذا، بعد خمس سنوات من القتال بات يرى مكامن الخلل أكثر من أي وقت مضى، هناك في الفكر، حيث يعتقد الجميع أن الخلل في مستوى التسليح الحربي، رأى هو أن المشكلة تكمن في التسليح الفكري، هذا الخلل الذي دفع بآلاف الشباب الثوري إلى أحضان داعش والتشرذم والتفتت والمناطقية، هو ما عالجه أبو جعفر في “خواطره الجعفورية” التي باتت اليوم إرثًا علينًا أن نضعه موضع التنفيذ.

لطالما آمن أبو جعفر أن فعل خواطره يفوق فعل بندقيته “بندقتي قتلت عددًًا محدودًا، أما خواطري فتذبحهم جميعًا”، وبلا شك فإن كلامه صحيح، فما يؤلم النظام ليس السلاح فقط، بل محاولة الثورة لتقديم بديل حقيقي كالذي كان يحلم به أبو جعفر “الشعب يحتاج إلى أفكار عظيمة ترسم مستقبله، والأفكار تحتاج إلى شعب عظيم يجعلها حقيقة، ولا تتطور الأوطان إلا بهما سوية”، مسار واضح حقيقي هو ما كان يطمح له أبو جعفر، مسارٌ بعيدٌ عن الفوضى والعنجهية والاستثناءات، مسار ملتزم بالقواعد والعلوم العسكرية و”سنن الكون المعجز بتكوينه وبقائه ودقته، نحتاج نقطة نظام والكتابة من أول السطر، بخط واضح جميل”.

خواطره ومسيرته هي إرثه الذي يجب أن نحافظ عليه، وهي أمانة ثورية في أعناق من بقي سيكون مهمتنا جميعًا أن نضعها موضع التنفيذ، رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه.

تابعنا على تويتر


Top