السوريون.. الأشياء والأفكار المستعملة

إبراهيم العلوش

خلال لجوء السوريين من مدينة إلى مدينة، ومن بلد إلى بلد في محنتهم هذه، اعتادوا على استخدام الأشياء المستعملة، سواء التي تأتيهم من التبرعات، أو من الأسواق المختصة ببيع الثياب والأثاث المستعمل، حيث تؤخذ الأشياء المنهكة بالاستخدام السابق لإعادتها إلى أماكنها وأدوارها، بعدما تمّ نفيها وأوشكت أن تذهب إلى النفايات.

وفي بيت اللاجئ السوري، قد تجد كنبة (ديوانة) فخمة، مذهّبة، وواسعة، لكنك ما إن تجلس عليها حتى “تزحط”، أو تطقطق، أو تصدر صوتًا عميقًا وشاكيًا إلى درجة الفزع.. أو تجد عنده جيشًا من المراوح التي تقابلك بشكاياتها المتنوعة، من زقزقة عنيفة، إلى نقص براغي، إلى أنين مستمر بدون أي دوران لشفرات التهوية.

وحتمًا ستجد برّادين، أحدهما أنهك صاحبه بأعباء الصيانة، رغم جلال منظره، وأبّهة وقفته في المطبخ، أما الآخر فرغم سوء حاله، فإنه يئنّ ويقلع ويبرّد الأشياء، ولكن لا يعرف اللاجئ متى يقرر البرّاد التقاعد، أو الصمت الذي لا تبريد بعده.

وفي الفيسبوك أيضًا تجد إعلانات كثيرة، عن بيع وشراء الأشياء المستعملة، والأهم صيانتها التي تعتبر بابًا للنهب والسلب من قبل أبناء الكار السوريين، أو ممن غيّروا صنعتهم من بيع الخضار، أو من صيانة الأحذية، إلى صيانة البرادات أو الغسالات أو المراوح.

وتجد أيضًا إلى جانب هذه الجوقات الإصلاحية النهّابة، جوقة فيسبوكية تتعيش على الأفكار المستعملة أيضًا، فهذا يستخدم تعليقًا عن الوضع السوري لهنري كيسنجر قاله لأحد ركّاب الطائرة التي كانت تقله، ويشطه ويمطه، ويعيد تكراره، ويملأ به شبكات التواصل الاجتماعي معوّلًا على الآخرين وليس على السوريين.

وإذا صرّح الأمريكي فورد مندوب أمريكا السابق في سوريا بتصريح، أو أجرى مقابلة، تقلع فورًا ورشات التحليل الفيسبوكي والفضائي، السياسية والدينية والاستراتيجية، ويتدفق خبراء التحليل من مختلف الأشكال، الذين يشبهون تمامًا مصلّحي البرادات والغسالات المستعملة، ومرقعي الثياب الرثة التي آل مصيرها إلى العائلات السورية المنكوبة.

وكما تجد لاجئًا سوريًا يلبس بنطالًا من ماركة شهيرة (مثل إل سي واي كيكي التركية)، تبرعت به جمعية أو عائلة تركية ميسورة، بينما يلبس فوقه قميصًا رثًّا تبرع به أحد الفقراء الأتراك، تجد مثله مفكرًا سوريًا استراتيجيًا يخرج على إحدى القنوات التلفزيونية الفخمة يستصلح العشائر، أو زعماء الطوائف، من أجل حلّ سوري يحقق الحرية والحداثة.

وتجد مفكرًا وكاتبًا وشاعرًا كبيرًا، عاش معظم حياته في الجامعات الأوروبية ويتقن رزمة من اللغات والنظريات، ولكنه يستصلح أفكار الخميني ويعتبرها ثوريّة وحداثويّة، بينما يعتبر غياث مطر الذي وزّع الورود على الجنود في داريا رجعيًا ومتخلفًا لأن الورود زرعت في حديقة الجامع.

أو تجد زعيمًا شيوعيًا يلقي حِكَمه وأقواله مثل مساعد أول في جيش الأسد، أو مثل ضابط التوجيه السياسي الذي يتبع للمخابرات العسكرية.

أو تجد شاعرًا متقاعدًا مثل الديوانات التي يستخدمها اللاجئون، يتحدث بفخامة، ويفاخر دائمًا بإجادته الفرنسية، وأنه ما بعد وجودي، لكنه يصدر طقطقات تشبه تلك الديوانات والكراسي المستعملة، وهو يعلن إعارة اسمه لبوتين كبطل قومي سوري.

أو تجد منظّرًا دينيًا بطقم وكرافة وابتسامة لندنية، يستصلح بعضًا من أفكار داعش أو النصرة، ويحتكم إليها باعتبارها تمسك الأرض والتاريخ الذي كان مجيدًا.

لا شك بأن الأشياء المستعملة حلّت الكثير من المشاكل للسوريين، وجعلتهم يستمرون بحياتهم البائسة والمليئة بالنكبات وبالأخبار الفاجعة، ولكن محللو الأفكار المستعملة عوّقوا الكثير من القدرات، والإمكانات لدى الشعب السوري، وشوّشوا عليها، مفضّلين مكاسب استمرارهم على القنوات الفضائية، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي كأبطال ومفكرين نوع إكسترا، وإن كانت كل مقومات عملهم هي تسول التصريحات، والأفكار وإعادة استخدامها مع خلطة من الأوهام والبطولات والأكاذيب إن تطلب الأمر ذلك.

ومرة كنا نشرب القهوة في بيت صديق، فصدر صوت نشاز وعالٍ، فهبّ صاحب البيت وزوجته لمسك غسالة الأوتوماتيك المستعملة، التي صارت تتحرك في المطبخ، وتخبط بحالها بحركات هستيرية، لأن أرجلها متآكلة وغير ثابتة أو غير متوازنة، تمامًا مثلما تنتشر الفرقعات والتحليلات والأخبار المفرحة والمبشرة بالنصر وحسم المعارك، بانتشار خبر في الفيسبوك عن مقتل بشار الأسد، أو أبو بكر بغدادي، أو وقوع انقلاب في موسكو، أو موت الخامنئي.. أو قرقعة من هذا الوزن أو ذاك التي تذكّرنا دائمًا بقرقعة غسالة صديقنا المستعملة، أو بثياب البالة المتضاربة الألوان والأشكال والمصادر، التي تحتل حياتنا.

ومثل مراوح اللاجئ التي تئنّ ولا تدور شفراتها، فإن أفكارنا المستعملة، لم تستطع أن تبني طريقًا سوريًا حقيقيًا وصادقًا يتحمل مسؤولية التضحيات، والدمار الهائل، وتكالب الدول على بلدنا وحياتنا، إننا مستمتعون باستخدام ما ينتجه الآخرون من حلول رثّة لا تناسب وضعنا، ولا تناسب حالتنا، ونتلهى باجترار أفكار وأقوال الآخرين، سواء كنا في منظمات، أو في أحزاب، أو في كتائب عسكرية، أو في مخيمات سورية في الداخل أو في الخارج!

وبكل أسف، فإننا نستبعد ابتكار الأفكار والحلول الأصيلة، ومانزال لا نعوّل على أنفسنا، ونستسلم لمتعة انتظار الآخرين، وما يرمونه علينا من تصريحات أو تحليلات متكررة، أو حلول رثّة، أو ثياب مستعملة لستر عرينا البائس.

تابعنا على تويتر


Top