مزرعة القبير 7 حزيران 2012

32.png

عنب بلدي – العدد 78 – الأحد 18-8-2013
ياسمين خالد
3
يقف أبو أحمد أمام جمع غفير من السياح المدججين بآلات التصوير والنظارات الشمسية ويشير إلى شواهد القبور المتلاصقة والممتدة على كامل المزرعة..
هذه سلمى، وذاك عمر، وهنا أمجد.. وهذه المساحة لا زالت تنتظر أحمد ولكننا لم نجده، يقولون إنه رحل مع رماد منزلي.. وهنا أختي، وهنا زوجتي، وتلك أمي، وهذه رباب الصغيرة، دفنت نعجتها الصغيرة إلى جانبها فقد كانت تحبها كثيرًا وتذهب إليها عندما تغضب مني تبكي وتشكو لنعجتها.. وهناك زرعت أبنائي الآخرين، وفي الجهة الأخرى إخوتي وأطفالهم جميعًا..
ينظر السائحون بدهشة إلى القبور المتعانقة بعشوائية حميمية، فيسارع أبو أحمد بالقول إنه لم يكن ممكناً كتابة كل الأسماء ونقشها، كان لا بد من تجميع ما تبقى منهم قبل أن تنهشه وحوش البراري أو تأخذه وحوش البشر.. لم تكن لديهم آلة تصوير.. صورتهم الوحيدة التي التقطها مصور الحميدية في زيارتهم الوحيدة إلى دمشق احترقت مع حمزة الصغير.. ولكنّ أبو أحمد يقسم للسوّاح أنّ أولاده كانت لهم وجودٌ وملامحٌ! ثم يرشدهم إلى النصب الرخامي القائم في بقعة الأرض المنسية تلك، «هذه أسماؤهم، وهذا الوسام لهم، تلك ذكراهم وذلك حطام منزلي بات تراثًا عالميًا محميًا..»
يتجمّع السائحون حول أبي أحمد آخر النهار لأخذ صورة تذكارية مع الناجي الوحيد من مزرعة القبير.. يلتمع سنّه الوحيد أمام فلاش الكاميرا المبهر، ثم يغادر الجمع الغفير ويبقى أبو أحمد..
يخلع أبو أحمد وجهه ونعليه.. يقبّل كل الصخور التي يرقد أهله تحتها، ينطلق نايه القديم بلحنه العذب الحزين الذي كان يطرب خرافه وأبناءه.. يناشدهم أن يأخذوه إليهم.. غدًا سيأتي جمعٌ آخر، سيخبرهم أنهم كانوا هنا، سيروي قصة رباب ونعجتها، ولكنه يعرف أنهم كما في كل يوم لن يفهموا.. لن يفهموا أنهم كانوا هنا، كانوا مثلهم، لهم وجوه وأحلام، لن يفهموا أنهم ماتوا من الخوف قبل أن تصل إليهم السكين، لن يفهموا أنهم كانوا يذهبون إلى المدرسة في القرية المجاورة وأن أحمد كان يريد أن يصبح شرطيًا، أما ليلى فممرضة.. لن يفهموا أنهم كانوا يجتمعون حول التنور في المساء حيث رائحة الخبز والمناقيش وأنين ناي أبي أحمد.. لن يفهموا أنهم كانوا ثم لم يكونوا واستمرت الأرض بالدوران..
يعانق أبو أحمد ثراهم وينام بينهم كما في كل ليلة..

تابعنا على تويتر


Top