أم الحويرث النمساوية

أحمد عمر – المدن

الحبُّ خُدعة..

عبدو الحلبي تلميذ مثلي، ونازح يصغرني بعشرين سنة، يغيب عن درس يلماظ التركي الذي يعلّم الألمانية، ويواظب على حضور دروس أم الحويرث النمساوية الجميلة، بل إنه يكيد كيداً عاطفياً من وراء الأكمة، فهو يحضر لها ما لذَّ وطاب من أطايب الحلوى، والأطعمة الحلبية التي تحضرها عروسه، وأراه يدسَّها في حقيبتها عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ.

روسلس هايم مدينة ألمانية يسميها العرب “حلب الألمانية”، كان كثيرون من حلب قد هاجروا إليها من زمان، إبان المذابح الأولى، وصارت لهم معامل حلويات مزدهرة، فأقول له: حنانيك يا عبدو، ماذا تبغي يا فتى، أنت عروس في شهر العسل، وشهر العسل كان يطول في أيامنا إلى شهرين وثلاثة وأحيانا إلى سنة، فما خطبك مللت العروس وبدأت تقدح الحجارة بالحجارة، وتنصب الفخاخ للآنسة أم الحويرث؟

فقال: وأنت أيضا يا عمو، أراك عصي الدمع شيمتك الصبر.

فأقول له: إن بعض الظن إثم يا فتى، إنما هي المروءة والنجدة والشهامة، فأنا اتبع النصيحة التي تقول: من علمني حرفا كنت له عبداً. مع تعديل بسيط يناسب تطورات الحداثة والعولمة وإلغاء الرق والعبودية إلا في الجمهوريات الاشتراكية التي تمارس العبودية وتسميها الوطنية، فصار القول: من علمني حرفاً، زِدت له حبّاً.

فانطلق يجادل ويحاصر ملك جيشي المقهور في خانة “اليك”: طيب هذا مدرسنا يلماظ يعلمنا وهو ألطف من معلمتنا أم الحويرث فلمَ لا تمحضه حبّك.

فأقول وقد ناحت بقربي حمامةٌ: إنما هي من القوارير يا أبا حلب، لدى يلماظ شارب سميك، أغلظ من شارب إبراهيم طاطليس وانا أرفق بها فما خطبك أنت العروس في شهور العسل؟

قال بصراحة: يا عمو صبية لطيفة..  ثم يدكّر بعد أمّة: صبابة يا عمو.. صبابة.. وأنت؟

فأقول: أنا أصحبها رغبة في الحصول على فيتامين “دال” الطبيعي.

فيقلّب شفتيه وينظر إلى السماء الغائمة وشمس غميضة الهجران وراء تلال الغيوم.

فأقول له وقد رقّ قلبي له: يا صاحب الصبابة.. أرأيت كيف تنطق أم الحويرث ” شون “؟  فيبتسم، ويهزُّ رأسه ويعانق بفؤاده سرباً من طيور القطرس تحلق من غير خفق سهوما في حدائق الغيب.

قلت: أرأيت كيف تنطق حرف العلّة بطريقة تسبب العلّة يا سيف الدين؟

قال: من سيف الدين؟

قلت: أنت تشبه سيف الدين خان، وهو ممثل ونجم هندي، ابن النجمة شارميلا طاغور

فيبحث عنها في معجم غوغل للصور، فتظهر صورته ويقول معجباً: فعلا يشبهني.

ثم أقول له: سلوكها سلوك أميرات يا بن شارميلا

فيقول: الألمانيات كلهن أميرات، الحقوق محفوظة في البلد للمواطنين، ويؤكد: كلهن أميرات والألمانيون أمراء.

أقول لا: إنها تزيد الألمانيات بمسألة فهي مِكْسَالِ الضُّحَى، دروسها مسائية.

يغادر الطلاب بعد انتهاء الدرس ونبقى أنا وخصمي نجم الأفلام الهندية منتظرين مثل المراهقين أمام مدرسة البنات.

يتهمني ابن شارميلا بأني أتذرع بأسئلة واستفسارات لغوية لاكتساب صحبة أم الحويرث الرقيقة، نرافقها أنا وهو إلى السوق الكبير، فنساعدها على حمل الأمتعة، كما كنت أفعل وأترابي في أيام الابتدائية مع آنسات الصف: سوزان وابتسام وشذى ومها قبل أربعين سنة.. وبيتها يذكرني بقصيدة شوقي بغدادي في المرحلة الابتدائية:

يا بيتها ودربه الصغير حلو حرجُ

شباكه يطلُ مثل طفلة تبرجُ

أحب فسحته وبابه والدرجُ

يضحك لي كأنما جدرانه تختلجُ

.. ونسلك طريقا محفوفا بشجر عريق، تساقط أوراقه ذهباً هشاً، صوته صوت الثلج تحت عجلات الدراجات الثلاث المتصاحبة، تجانب الدرب الصغير ساقية تجمعت فيها مياه الأمطار، لا سمك فيها، ملوناً، يقفز بين الحين والآخر ليصطاد فراشات ضالة ويعود إلى الماء محدثا زلزالا مائيا لما يلبث أن يندمل.

تسبقها دراجة الأميرة الجرمانية بخطوة، وقد أسقط الخريف أوراق الشجر المذهبة احتفالا بعودتها، كانت الأوراق تتهشم مثل قطع البسكويت تحت خطانا، نصل إلى بيتها، يا بيتها الصغير ودربه الصغير الحلو الحرج، فيبادر السنجاب ذو الذيل المرح في أعلى الشجرة فوق بيتها إلى لعبة الغميضة. ويختفي، فتقول لنا: دانكي شووووون، ويسيل حرف الواو من ثغرها الذي يلمع كبارق سيف عنترة في معارك الحرية، وتنقضي معجزة حرف العلّة ونعود القهقرى سعيدين ومهزومين من حرب داحس والغبراء.

مرة قالت لي: أسمعني موسيقا تحبها، فأخرجت هاتفي ووجدت ناظم الغزالي في وجهي، وكنت سمعته صباحاً، وأعرف أن الشبكة لن تغطي جهود البحث عن أغنيتي، وكانت هندية، فتركته يغني، فانقطع صوته بسبب كثافة اللحاف النباتي فبادرت لنجدته أغني عندما يسكت:

قل لي يا حلو منين الله جابك

خزن جرح قلبي من عذابك

قول لي وش شفت مني أذيّه

قلبك من صخر ما حن عليّه

ووجدت أم الحويرث دمعةً تترق في عيني، فقالت مواسيةً: “شووووون” ونطقت حرف العلّة بطريقة تسبب العلّة وقالت: أغنية عذبة وحزينة.

وسألتني عن حكاية الأغنية فقلت لها بالألمانية: الحب والهجران، وقلت بدلا من الهجران النزوح أو اللجوء السياسي، فمحصولي  قليل من المفردات الجرمانية.

كانت السلطات الثقافية قد أصدرت كتابا توجيهيا للسوريين فيه وصايا ونصائح في المهرجانات والاحتفالات، إحداها يقول: إذا ابتسمت لك سيدة ألمانية فهذا لا يعني أنها وقعت في غرامك، و”لا” تعني “لا”، وهذه مشكلة، ف” لا” الأنثوية في ديار ميّة بالعلياء فالسند؛ تعني: ” يمتنعن وهن الراغبات” أما “لا” السياسية، فليس لها وجود في ديارنا التي غادرناها من متردم، وإذا وُجدت فتعني “نعماً “وأحيانا تعني نعم للموت.

طلبت مرة إصلاح عطل دراجتها الشهباء، فبطحناها رأسا على عقب وانطلقنا نصلحها بمخالبنا وأسناننا، فسارعت إلى إحضار العدة، وقالت ألا تتنظران العدة؟ خلال دقائق كانت تعمل مثل ساعة هارون الرشيد التي جعلت شارلمان يفقد عقله من لعبة الغميضة.

أقرَّ سيف الدين خان بأن أم الحويرث تعزُّني وهي تنتظر آرائي ومشاركتي في الصف، وتصغي إليَّ، بل إنها تشنّف لي أذنيها، وكان في البداية يقول لي مفاخرا ومنافرا، إنه سيهزمني فما أنا له بالندِّ.  الحرب صارت مكشوفة بيني وبينه، عزِّ جانبي بعد تلك المصالحة الوطنية التي نجحت فيها بين يوسف الغاني وخرميش المغربي، ثم انتبهت أم الحويرث إلى أمر آخر هو – على قلة زادي من الكلمات الألمانية –  فأني أسعى لصناعة جمل وتركيبات لا يقترب منها إلا المخضرمون.

في الدرس فقرة اسمها التعريف بالنفس فكلما جاء تلميذ جديد عرَّف واحدنا نفسه للجديد: أنا فلان الفلاني، قدمت من بلاد كذا، عمري كذا، هواياتي كذا..

وكنت أقول: عمري سنتان ونصف، فتتوقف أم الحويرث ظانّة أني أخطأت في الحسبة، فأقول: لا، إنها ولادتي الجديدة في بلادكم أيتها الأميرة مكسال الضحى، فتبتسم وتعضُّ على العنّاب البرد، وتقول: شووووون.. فتنطق حرف العلّة بطريقة تصيب السامع بالعلّة، وأقول مرة أخرى في مناسبة  قدوم تلميذ جديد هو غالبا نازح: عمري مائة سنة بعد حسم خمسين بالمائة وعمل أوكازيون، فتقول: شووووون، وأتذكر طفولتي في مدرسة الغزالي وقبلة الآنسة على خدي متمنيا أن تتحول القبلة من الخد إلى الثغر فالقلب يزداد عطشا مع التقدم في صحراء العمر.

تسألني أم الحويرث عن هواياتي فأقول: الوقوف على الأطلال، وأعجز عن شرح َباقي الوَشمِ في ظاهِرِ اليَدِ.

وفي أحد الأيام غابت أم الحويرث في سفرة مفاجئة إلى النمسا وقيل إنها ستطول، وجاءتنا معلمة جديدة، وبتنا أنا وسيف الدين خان الحلبي، مثل الملوعين، نغتنم الاستراحة، فنحوم حول متاع أم الحويرث وأشيائها، اقترب من الكرسي الذي كانت تجلس عليه، وامسحه بكفي، وأتشمّم مكان وقفتها بجانب النافذة، حيث تشرب القهوة بصمت، وفنجانها الكبير، ذو القهوة السائلة التي لا تقرأ، فهو فنجان أخرس، لكني قرأت في بياض الفنجان نبوءتها: قالت يا ولدي لا تحزن.. الهجر عليك هو المكتوب.

مع انتهاء الدرس، أركب دراجتي وأمضي وحدي في الدرب الصغير الحلو الحرجُ، تتكسر تحت عجلة الدراجة الأورق التي تعبت من الانتظار فسقطت تتحطم هشةً مثل البسكويت، فأصل إلى دارتها الوحيدة في البرية، وقد أقْوَت وطال عليها سالف الأمد، وأرفع رأسي فأرى سنجابها ينظر إلى الطيف الواقف على الدراجة، غير خائف، ممتنعاً عن الغميضة. أرفع هاتفي فأسمع ناظم الغزالي يغني مكلوماً نازفاً يأتي صوته صافياً، والشجر يصبُّ فوق رأسي وابل الورق الذهب:

جرح القلب من فرقاك خزن

ماحد مثلي بمحبوبه تمحن

هم هذا نصيبي وانجبر بيه

لا آني أتوب ولا الله يهديه

تابعنا على تويتر


Top