تعليم السوريين الندم

محمد رشدي شربجي

“نقسم أمام كل العالم في هذا المكان الفاشي المرعب، أننا سنناضل حتى إحضار آخر مذنب ليقف أمام قضاة الشعوب، حلّنا هو إبادة النازية مع جذورها، بناء عالم جديد للحرية والسلام هو هدفنا”.

بعد سيطرة الجيش الأمريكي على معسكر الاعتقال النازي “بوخن فالد”، أواخر الحرب العالمية الثانية، أحيا المعتقلون المحررون والبالغ عددهم حوالي 21 ألف معتقل، منهم 900 طفل، ذكرى رفاقهم أمام المعسكر وأدوا معًا “قسم بوخن فالد”.

في وسط ساحة التفقد اليومي والتي كانت ساحة إعدام وتعذيب، غرس المعتقلون المحررون مسلة خشبية كتبوا عليها أسماء بلدانهم، كان منها الجزائر ومصر وسوريا.

لا يفضل السوريون اليوم، بشكل عام، الذهاب إلى متاحف النازية والحكم السوفيتي في ألمانيا، وذلك لعدة أسباب قد يكون أحدها الاعتقاد أن ما عاناه الآخرون هو لعب أطفال مقارنة بما يعانيه السوريون، أو عدم الرغبة باستذكار ما نعانيه، أو عدم الاهتمام ببساطة.

وقد يكون هذا الكلام صحيحًا إلى حد ما، ومن زار مراكز الاعتقال السوفيتية في ألمانيا الشرقية (شتازي)، والتي أصبحت متاحف اليوم، سيدرك الفارق الهائل في الوحشية بين ما نعانيه اليوم في سوريا وما عاناه الألمان في تلك الفترة، ولكن تبقى معسكرات النازية شيئًا آخر.

افتتح معسكر “بوخن فالد” في مدينة فايمر شرق ألمانيا عام 1937 على مساحة أرض تعادل 130 هيكتارًا، وعلى مدى ثماني سنوات هي عمر المعسكر، استقبل أكثر من 280 ألف معتقلٍ من أكثر من خمسين قومية، هم معارضون سياسيون ويهود وشاذون جنسيًا وغجر روما وأسرى حرب من الاتحاد السوفيتي والمستعمرات الفرنسية والبريطانية.

تم استغلال المعتقلين بلا شفقة، كان يتم إجبارهم على العمل في معامل الدفاع النازية لساعات طويلة وبلا أدنى رعاية صحية، كما تم إجبار النساء على العمل بالدعارة لصالح جنود الجيش النازي، وخلال ثماني سنوات لقي حوالي 56 ألف إنسان حتفهم، أو تم قتلهم تعسفيًا، أو ماتوا بسبب الأمراض أو التجارب الطبية.

على بوابة المعتقل الرئيسية توجد عبارة أخذها النازيون من القانون الروماني “كل ينال ما يستحق”، وتهدف بالأصل إلى العدالة والمساواة، ولكن النازيين طبقوها على أن هذا ما تستحقه “بعدل” الشعوب غير الآرية.

تشكل “إحياء الذاكرة والطرق عليها” استراتيجية رئيسية للحكومات الألمانية المتعاقبة منذ نهاية الحرب، إذ يركز الألمان في برامج إحياء الذاكرة على أن المسؤول عن صعود النازية وجرائمها هو الشعب الألماني الذي أوصل هتلر وحزبه النازي للسلطة بانتخابات ديمقراطية في ثلاثينيات القرن الماضي، فشركة “توبف وأبناؤه” هي من أنشأت الأفران في بوخن فالد، وهي من اقترحت بلا أي ضغط من أحد تصميمًا موفرًا للطاقة والوقت في حرق الجثث، وفي داخل مبنى المستودعات يقرأ الزائر عبارات أينما كان في هذا الاتجاه أيضًا، على غرار “مرة أخرى، إنه أمر مرعب كيف انهار كل شيء دون أن يدافع عنه أحد”.

ماذا على سوري قادم من أنقاض داريا أن يشعر وهو يقف في وسط معسكر نازي تحول متحفًا منذ سبعين سنة، ولا يرى في عينيه إلا مسالخ الأسد القائمة اليوم ورقص المؤيدين والصامتين على بعد أمتار من فرع المخابرات الجوية في المزة المحاذية و215 وسط دمشق. إنه لأمر مثير للقرف والإحباط بذات الوقت قدرة البشر على تكرار ذات الكوارث.

أحد الكتاب دعا مرة أن على السوريين أن يعلموا العالم الندم كونه مسؤولًا عن مأساتهم، أما أنا فأدعو إلى تعليم السوريين الندم، “السوريون البيض” الذين يزعجهم قصف غوطة دمشق لأنه يمس “هدوء” حياتهم، أولئك الذين استطاعوا متابعة حياتهم ورقصهم وكأن شيئًا لا يحدث، الذين يعتقدون أن أبناء الريف “السود” لا يعرفون ما هي الحرية ولا يستحقونها.

في بناء المستودعات على لوحة كبيرة يروي الصحفي الأمريكي الذي رافق الجيش الأمريكي أثناء السيطرة على المعسكر ” لقد كان المدنيون دائمًا يأتون ويقولون: لم نكن نعلم ما كان يحدث هنا، لم نكن نعلم! حتى صرخ فيهم أحد المعتقلين السابقين من الغضب لقد كنت تعلمون جميعًا، كنا نعمل بجانبكم في المعامل، وخاطرنا بحياتنا عدة مرات لنخبركم أننا نموت هناك، ولكنكم لم تفعلوا شيئًا”. قرأت ما روى الصحفي ثم تذكرت صرخات ثوار سوريا في وجه العالم ووجه إخوتهم السوريين: صمتكم يقتلنا.. غير الله ما إلنا.

تابعنا على تويتر


Top