كيف غدت أميركا تشبه لبنان؟

مروان قبلان – العربي الجديد

بغضّ النظر عن هوية الفائز في الانتخابات الرئاسية الأميركية (هذا لا يعني أن الأمر سيّان بوجود مرشح مثل دونالد ترامب)، كشفت الحملة الانتخابية عن وجود عوراتٍ كبرى في النظام السياسي الأميركي، كما تكشَّف أيضاً وجود أزمة فكر وقيادة وتحلل للنخب داخل مؤسسة الحكم الأميركية (The Establishment). أنظر مثلاً كيف أن الحزب الجمهوري ظل يبحث، في جعبته، عن مرشحٍ حتى بلغ القاع باختياره ترامب الذي تفوق، بسوئه، على كل المرشحين السيئين الآخرين (ماركو روبيو، تيد كروز، كريس كريستي، بن كارسون…. وغيرهم). أنظر أيضاً إلى حال الإفلاس التي بلغها المعسكر الديموقراطي بإعادة إنتاج هيلاري كلينتون التي تفوقت في انعدام مصداقيتها، بحسب استطلاعات للرأي، على الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، صاحب فضيحة ووترغيت الشهيرة.

هذا ليس كل شيء، إذ يبدو حقاً أن النظام السياسي الأميركي يمر بأزمةٍ كبرى، بعد أن لاح أنه تجاوزها بانتخاب أول رئيس من أصول أفريقية عام 2008، في حين أن العكس هو ما حصل، إذ أوقد انتخاب باراك أوباما جذوة الصراع العرقي والاجتماعي الذي ظن الجميع أنه انتهى، وأيقظ كل الشرور والتوترات الكامنة في المجتمع، وأعاد إنتاجها ممثلة بظاهرة ترامب، حتى بلغت الانقسامات والاستقطابات مستوياتٍ مخيفة، وغدا خطاب الكراهية جزءاً من الثقافة السياسية. وقد انتقلت التوترات المجتمعية إلى أجهزة الحكم ودوائر السلطة، حتى كادت المماحكات الحزبية و”التخندقات” السياسية تشل عمل الحكومة، وتعطل الحياة في البلد.

ووصل الأمر إلى أن اضطرت الحكومة الفيدرالية مطلع العام 2015 إلى إغلاق دوائرها، ومنح موظفيها إجازات قسرية، بعد أن رفض الكونغرس الذي تسيطر عليه أغلبية جمهورية تمرير قانونٍ أحاله الرئيس الديموقراطي “الأسود” لرفع مستوى العجز، حتى يمكن إقرار الموازنة العامة. وبالطريقة نفسها أيضاً، رفض الكونغرس إقرار معاهدات واتفاقات دولية سياسية وتجارية مختلفة، أبرمتها الإدارة الخصم مع حكومات أجنبية، كما تُركت مناصب عليا في الدولة شاغرةً، لأن الترشيح لها يتم على أساس الانتماء الحزبي (كما الشاغر في المحكمة الدستورية العليا).

هل يذكّرنا هذا بشيء؟ نعم بالتأكيد، إنه يذكّر بنمط الحياة السياسية اللبنانية، حيث بإمكان رئيس مجلس النواب أن يمنع انعقاد جلساته شهوراً، وبإمكان حزب سياسي أن يعطل انتخاب رئيس للجمهورية أكثر من سنتين، وتستطيع أي كتلة سياسية أن تحول دون اكتمال النصاب لمناقشة أي قضية، كما يمكن في لبنان أن يصبح الفراغ هو القاعدة، وتعيش حكومات تصريف الأعمال أكثر من الحكومات العادية.

في السياق نفسه، كان صادماً كم كانت الحملة الانتخابية الأميركية مسمومةً، وكيف جرى فيها استخدام كل أنواع الأسلحة من الفضائح الجنسية والمالية إلى تسريبات البريد الإلكتروني واتهامات بالجنون، إلى تحول مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) جزءاً من المعركة، لا بل وصل الأمر إلى أن يرفض ترامب القبول بنتائج الانتخابات، إذا جاءت لغير صالحه، وصدرت دعواتٌ لأنصاره باللجوء إلى العنف في حال خسارته، بعد أن تم ترويج إمكانية حصول تزوير في الانتخابات، حتى بات يخيل لنا أننا أمام انتخاباتٍ على مستوى البلديات، تجري في لبنان أيضاً.

في كتابٍ له، يرى فرانسيس فوكوياما أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة يسميها (Vetocracy) أي الشلل السياسي، حيث تستحكم الخلافات السياسية والمماحكات الحزبية بعملية صنع القرار، وتؤدي إلى شل الحكومة، وتعطيل عمل أجهزة الدولة، ويحذر من أن هذه الحالة باتت تهدد أعتى الديموقراطيات وأكثرها عراقةً في العالم، بحيث تصبح الديموقراطية الأميركية نفسها سبباً للجمود والتعفن، بدلاً من أن تكون محركاً لدورة تجديد النخب والأفكار. ولم يصل فوكوياما إلى التحذير من احتمال تفجر صراع أو عنف بسبب ذلك، لكن أميركا التي عرفت حرباً أهلية طاحنة بين 1860-1865، كلفتها أكثر من 600 ألف قتيل، تبدو اليوم أقرب إلى النموذج اللبناني، بحيث يغدو ممكناً، بعد فترة، الحديث عن الحاجة للانتقال إلى الصيغة التوافقية في الحكم بين البيت الأبيض والكونغرس. عندها سيغدو بمقدور أمين عام حزب الله وغيره من “أساتذة” التنظير للديموقراطية التوافقية في لبنان أن يقدّموا للأميركيين خدمات استشارية مفيدة في التحاصص، وكيفية توزيع الريع والغنائم، أثلاثاً وأرباعاً وأخماساً.

تابعنا على تويتر


Top