تعثّر الديمقراطية

محمد رشدي شربجي

حسنًا إذن! انتصر دونالد ترامب ديمقراطيًا في دولة يحكمها نظام انتخاب ديمقراطي منذ 240 عامًا فقط، ليجيب بشكل نهائي على السؤال الذي طرحه نجاح النازية في انتخابات ديمقراطية كذلك في ألمانيا عام 1933، ما هي الضمانة بألا يوصل الشعب بإرادته مختلًا عقليًا إلى السلطة؟ وما هي الضمانة إذا وصل هذا المجنون ألا يقولب الدولة مرة أخرى على مزاجه؟ أجاب ترامب، وقبله بريكست بريطانيا، بشكل قاطع: لا ضمانة على الإطلاق.

منذ نشأتها نظّر بعض المفكرين للديمقراطية بشيء من التشكيك، خاصة أنها كانت تهديدًا للنظام الطبقي القائم في أوروبا وقتها، كيف من الممكن مساواة صوت الجاهل المقيم في الحانات بصوت العالم المطلع على بواطن الأمور؟ و”أين العدالة في مساواة غير المتساويين؟”، كما كان يقول نيتشه، وهو ذات الرأي الذي كان يذهب به أرسطو فيما قبل، أما غوستاف لوبون فقد رد على هذا التساؤل، مع إيمانه بأحقيته، بأنه ليس هنالك من ضمانة أن مجموعة من العلماء عندما تشكل “جمهورًا” ستتخذ قرارًا أعقل وأكثر منطقية من مجموعة من الرعاع حين تشكل “جمهورًا”، فالجمهور هو الجمهور وهو فوضوي وأهوج بكل حال، بحسب لوبون.

ولذلك فإن الديمقراطية تعرّف بأنها “الطريقة الأقل سوءًا” لتداول السلطة، فلا يوجد طريقة تبادل سلطة بلا أخطاء وربما كوارث، ومن المستحيل حصر التصويت بفئة محددة مثقفة واعية وذات مستوى تعليمي جيد كما يطرح البعض بشكل عجيب، فهذا الطرح عدا عن غرابته لا يضمن أن تكون خيارات “المثقفين الواعين” دائمًا صحيحة، وتبقى الضمانات هي وعي الناخبين والطبقة السياسية الحاكمة أولًا (وهو ما لا يمكن التعويل عليه بشكل دائم) وتدعيم نظام الحكم بقوانين تعيق طموح أي رئيس منتخب للانقلاب على الديمقراطية ثانيًا.

وهكذا لا تكون الحقوق المدنية الأساسية، كالحريات الدينية والسياسية والفردية، قضية انتخابية تتغير بتغير آني لمزاج الحاكم المنتخب، بل هي حقوق مكفولة بالدستور، أو مواد فوق دستورية في الحالة الفرنسية، يتطلب إلغاؤها تعديلًا للدستور يستحيل تحقيقه دون أغلبية تزيد على الثلثين بمعظم البلدان، وهي أعقد من ذلك في الحالة الأمريكية، وكذا الأمر بالنسبة لمدة وعدد مرات انتخاب الرئيس وغيرها من القضايا.

يعتبر انتخاب ترامب تعثرًا للفكرة الديمقراطية بالتأكيد، وليس غريبًا احتفال أقطاب السلفية بذلك، وهو يأتي في سياق عالمي يمتد من الفلبين وكوريا الجنوبية في شرق آسيا إلى الولايات المتحدة،  تتراجع فيه الديمقراطية ويتصاعد فيه المد اليميني الشعبوي المتطرف الكاره للأجانب، ودائمًا للإسلام! والحانق على العولمة التي سرقت منه قيمه وأمنه وهويته لصالح هوية معولمة هجينة غير متجانسة، والمنتقم لاستخفاف النخب الحاكمة بقيمه الدينية والتقليدية لصالح أفكار ليبرالية خرقت كل مألوف.

مع أن أوباما كان ينظر إليه على أنه من أتباع المدرسة الواقعية الكلاسيكية في العلاقات الدولية القائمة على القوة والأمن، ولكنها تؤمن بذات الوقت أن التحالفات بناء على قيم مشتركة ستحقق نوعًا من الحماية، فإنه من الواضح أن ترامب يتعدّاه إلى تبني أفكار المدرسة الواقعية الحديثة “البنيوية”، كما نظّر لها كيينث والتز في كتاباته، التي تعتقد أن هدف الدول في عالم فوضوي لا تحكمه سلطة هو البقاء وامتلاك القوة لردع باقي الدول التي لا يمكن التيقن من نواياها مطلقًا، ومن يريد الحماية فليحمِ نفسه بنفسه، ومن الغباء أن يتوقع الحماية من أحد.

لا شيء يستحق الفرحة بوصول ترامب إلى السلطة، ولا حتى فرحة البعض “بكشف الوجه الحقيق لأمريكا”، وكأننا لا نعرف هذا الوجه الحقيقي على مدى القرن الماضي.

لن يخوض ترامب حربًا عسكرية مع الصين كذلك، فهو ليس مغفلًا إلى هذا الحد بداية، ويحتاج إلى تفويض من مجلس الشيوخ بغرفتيه ثانيًا، ولن يبقى له، والحالة هذه لإشباع رغبة أنصاره المتعطشين للدماء، إلا تكثيف الحرب على الإرهاب، والذي بيّن ترامب بما يكفي أنه يعني به الإسلام.

ولا شيء يستحق الرثاء بدوره، وأستغرب من البعض المذعور من علاقة ترامب ببوتين، وكأن ترامب هو من وضع الفيتو على تزويد الثوار بالسلاح النوعي، أو هو من ألغى عشرات الخطط العسكرية لإجبار الأسد على التفاوض، وليس أوباما الذي قدّم سوريا لبوتين على طبق من ذهب.

هناك شيء إيجابي واحد فيما حصل، وهو أن هناك نقاشًا على نطاق عالمي ستخوضه النخب عن أزمة الحداثة، فإذا كان التحليل انتهى أن من أبرز أسباب صعود النازية كان الكساد الكبير قبلها بعامين والانهيار الاقتصادي الذي أصاب ألمانيا، فكيف يمكن تبرير انتخاب ترامب اليوم والاقتصاد الأمريكي يتفوق على أقرب منافسيه بمراحل. إنه سؤال الحداثة من جديد، الحداثة التي لا تنتج إلا هولوكوست، بحسب زيجمونت باومان في كتابه الشهير.

تابعنا على تويتر


Top