من ذكريات المجزرة الكبرى شهادة ممرضة في المشفى الميداني

33.png

عنب بلدي – العدد 79 – الأحد 25-8-2013
3
لم نكن نعلم بوجود اقتحام للبلدة، كنا نسمع الصواريخ تضرب المدينة كل بضع دقائق دون أن نعرف سببًا مباشرًا لذلك. ثم تواردت إلينا الأنباء عن نية الجيش النظامي باقتحام البلد وأن الجيش الحر سوف يرد.
بيتنا مطل على الشارع العام، سمعنا صوت سقوط قذيفة تلاه صوت صراخ، تبين أنه شاب قد أصيب. تم إسعاف الشاب من قبل أناس عاديين. بدأت أسأل عن مكان إسعاف الجرحى علني أساعد بشيء، حتى وصلت إلى نقطة متابعة جرحى المعضمية. قضينا قرابة نصف النهار هناك ثم جاء أحد الشباب وأخبرنا أنه تم تجهيز نقطة أخرى لاستقبال الجرحى وأنهم بحاجة لكوادر، ذهبنا إلى المكان.. لم يكن هناك طبيب جراح، فقط ممرضون وطبيب داخلية وطبيب أسنان إضافة للمرضين والمسعفين. مع اشتداد القصف بدأت الاصابات تتوافد على المكان، معظمهم من المدنيين الذين أصيبوا بشظايا القذائف فالعديد من البيوت عربية وغير مجهزة لهكذا حالات من القصف، إضافة إلى قلة حرص البعض الذين لم يلتزموا بالأقبية بل كانوا يتجولون بالحارات أو يتجمعون عند مداخل الأبنية أو في أماكن نزول الصواريخ يدفعهم الفضول غير منتبهين أو غير مكترثين إلى أن عدة قذائف كانت تطال المكان نفسه. إضافة للذين أصيبوا أثناء محاولتهم مغادرة المدينة.
اليوم الأول كان متعبًا جدًا، 12 ساعة من العمل المتواصل عدت بعدها إلى البيت لأطمئن على أولادي الذين كانوا مع أهلي في قبو بناء أصابه صاروخ. وأيضًا ذهبت مع أخي لصيدلية بعيدة نوعًا ما لنحضر أدوية للمشفى.. كانت الشوارع مخيفة وآثار القصف مرعبة والقصف مستمر ينهال من كل جهة.. في الصباح توجهت مرة أخرى للمشفى ووصلت سالمة بحمد الله.. حيث كان القصف لا يزال مستمرًا..
في ذلك اليوم بدأت الاشتباكات وبدأت إصابات من نوع آخر تأتينا معظمها إصابات بطلقات نارية.. المشفى الذي كنت فيه كان نقطة متابعة، حيث كانت العمليات تجرى في مكان آخر مجهز بشكل أكبر. الإصابات كانت بليغة، إحداها كان شابًا بترت يده وأصيبت قدمه بعد أن ركب دبابة رغم قلة خبرته بها. ضج المشفى بالإصابات من مختلف الأنواع والأعمار.. شيخ كان متجهًا لمنزله على الدراجة، سقطت صاروخ قريبًا منه أفقده بصره. والعديد من الاصابات بالشظايا الكثيرة شبانًا وأطفالًا.

هاجسنا الأكبر كان أسيصمد الحر أم لا؟ أسيدخل جيش النظام المدينة؟ ثم بدأت الأخبار تتوارد عن تقدم الأمن وتراجع الحر بشكل تدريجي.. وبعدها تأكد اقتحام الأمن للمدينة. نتيجة للاقتحام هدأ القصف، إلا أن ذلك لم يكن مطمئنًا، بل على العكس شكل خطرًا أكبر خصوصًا على الجرحى. قمنا بإخراج من استطعنا منهم ووزعناهم على البيوت متنكرين لإخفاء إصاباتهم، فالأمن يبحث عن أي مصاب ليتهمه بأنه كان على الجبهة مع الإرهابيين، سواء كان مدينًا أم عسكريًا، شابًا أم عجوزًا. كما تم إخلاء المشفى من الكادر الطبي من النساء. أذكر يومها أننا ركبنا سيارة مفتوحة مضت مسرعة تحت نار القناصة التي كانت تستهدف على ما تطاله ووصلنا إلى قبو يضج بالناس نساء وأطفالًا. عند مغادرتنا المشفى كان الأمن قريبًا جدًا، وما أن وصلنا إلى القبو حتى وردنا خبر اقتحام الأمن للمشفى وحرقه قبل أن يتسنى إخلاء الجرحى بشكل كامل.. كانت صدمة كبيرة لنا، أذكر ممن لم نتمكن من إخلاءهم جريحًا كان في حالة موت دماغي، جريحًا مبتور القدمين، وأخرين.. بعضهم لم نجد من يستقبله وبعضهم كان الأمن أسرع إليه منا.
أكثر ما يؤلم أن داريا في تلك الفترة كانت تعج بالأطباء حينها من مختلف الاختصاصات، أما خلال المجزرة فلم يتواجد سوى بضع أطباء مختصين. أما بقية الكوادر فكانت مؤلفة من طلاب لم يتخرجوا بعد وممرضين ومسعفين تلقوا دورات عن الاسعاف الأولي إلا أنها غير كافية للتزود بالخبرة اللازمة للتعامل مع هكذا إصابات بليغة. قلة الامكانيات والمواد وقلة وسائل الانعاش كان السبب الأساسي بموت الكثيرين.
معظم الجرحى الذين عثر عليهم الأمن تمت تصفيتهم. ومن نجى منهم تمت متابعة علاجه في أماكن سرية بعد خروج الأمن من المدينة.
أما دورنا فقد كان بسيطًا في ظل ما كان يجري.. لا أنه أفضل من الجلوس عاطلين منتظرين قدرنا المجهول.. فعمل الخير تقديم العون لمن أغلقت المشافي أبوابها في وجوههم أعطانا دفعًا وشعورًا ولو بسيطًا بالرضا، وإن لن تكن الظروف جيدة ليشعر المرء بالرضا عمّا حوله. وعمل الخير دائما ميسر.. أهلي لم يمانعوا مشاركتي رغم خوفهم الشديد علي خصوصًا بسبب الطريق الخطر للوصول إلى المشفى… نجوت والحمد الله ولكن كثيرين غيري للأسف لم ينجو.
رحمة الله على كل من قضى حينها

تابعنا على تويتر


Top