هل سمعت بسيارة مخالفاتها أغلى منها؟

السوريون واللغة التركية.. معوقات التعلّم وخسائر الجهل بها

Turkish-language.jpg

دورات للغة التركية في منطقة الفاتح باسطنبول (مركز عقول للغات فيس بوك)

حنين النقري – عنب بلدي

رغم محاولات مصطفى كمال أتاتورك الحثيثة لحذف الكلمات العربية والفارسية من اللغة التركية، والاستعاضة عن التركية العثمانية بتركية حديثة ذات حروف لاتينيّة، إلا أن كلمات مثل “تاريخ، حساب، عاجل، مجبور، إصرار، تسليم، لازم” مازالت أساسيّة ومستخدمة في اللغة التركية اليوم، إضافة إلى ما يزيد عن ألف كلمة عربية أخرى، وهي ما ينقّب عنه السوريّون باجتهاد في أي حوار تركيّ يسمعونه، حيث يستقبلون مرور الكلمات العربية بسعادة الاكتشاف لا التعلّم.

وليس الأمر احتفاءً بتخفيف مشاعر الغربة أو الحنين للغة الأم، بقدر ما هو ترحيب بأيّ وسيلة تسهل التواصل بلغة لا يحبّذ، أو لا يجيد،  ناطقوها الحديث بسواها. فما الذي يعيق تعلّم السوريين للغة التركية رغم مرور ما يقارب ستة أعوام على إقامة بعضهم في تركيا؟ وما النتائج المترتّبة على الجهل بها؟

 مساعدات لتعليم اللغة

رغـم المعوقـات التـي تمنع السـوريين مـن تعلم اللغـة التركيـة، إلا أن هنـاك مسـاعدات على ذلـك أيضًا، مـن قبيل:

– العيـش بين الناطقين بهـا، حيـث يسـاعد الاحتكاك على التعلـم المباشر.

– توافـر العديـد من المصادر باللغة العربيـة على الإنترنت لتعلم اللغة التركية.

– توافـر تطبيقـات أندرويد لتعليـم اللغات ومـن بينها التركية مجانًا، مثل Doulingo و Busuu.

– سماع الأغاني والمسلسلات التركية

معوقات التعلم

لماذا أتعلّم التركية؟

يقيم السيّد أبو براء (40 عامًا) من ريف دمشق، في ولاية هاتاي “اسكندرون” منذ ثلاثة أعوام، إلا أنه رغم ذلك يكاد لا يعرف سوى كلمات قليلة باللغة التركية “أعرف الأرقام بالتركية، أسئلة بسيطة مثل هل يوجد لديك؟ ما سعر؟ متى؟ وأين؟ لكنني في كثير من الأحيان أواجه صعوبة في فهم إجابات هذه الأسئلة”، يقول أبو براء.

يؤمن الرجل أن إقامته في تركيا مؤقتة ولن تطول عودته، وهو ما يمنعه من التعلم بالدرجة الأولى، إضافة إلى عدم اضطراره لتعلمها في الولاية التي يقيم بها، ويوضح “معظم أهالي هاتاي من أصول عربيّة، ويعرفون اللغة العربية بالإضافة للتركية، لذا فهم يتواصلون معنا بها”.

يضيف أبو براء أنه يتواصل في عمله كبائع في بقالية، مع محيط من السوريين ويبيع البضائع السوريّة، والمعاملات التجارية تتم جميعها باللغة العربية، يتابع “لجوء الكثير من السوريين إلى المحافظة جعلها أشبه بمجتمع عربي، بمحلّات ودكاكين وبضائع سورية، وأحاديث عربيّة أينما اتجهت، فلماذا أتعلم التركيّة؟”.

غلاء أقساط المعاهد

لا تتيح الحكومة التركية برامج مجانية لتعليم اللغة للسوريين بشكل واسع، الأمر الذي يجعل معظم الراغبين بتعلمها يحجمون عن ارتياد معاهد اللغات بسبب التكاليف، ومن بينهم محمد، طالب جامعيّ في إحدى الكليات التركية، ويقول “عندما خرجتُ إلى تركيا مع أهلي، اخترتُ دراسة البكالوريا السوريّة، وبعد نيلي الشهادة الثانوية ورغم معرفتي بحاجتي للغة التركية إلا أنني لم أسجل بمعهد للغة بسبب غلاء الأقساط، حيث يكلّف المستوى الواحد قرابة 300 يورو، علمًا أن الدورة ستة مستويات، فضّلت العمل ومساعدة أهلي بالمال على ذلك”.

عامان كاملان مرّا على محمد بعد نيل الشهادة الثانوية دون الالتحاق بجامعة أو تعلّم اللغة التركية، إلى أن حصل على قبول في منحة جامعية تشمل اللغة، يضيف محمد “رغم رغبتي بدراسة هذه اللغة ومحاولاتي للتعلم الذاتي إلا أن هذا الخيار يحتاج لجهد ووقت طويل، اليوم ألاحظ أن حصة درسيّة واحدة تختصر أيامًا من محاولاتي السابقة في فهم كلمة أو محادثة بسيطة، لكن تكاليف المعاهد غير متاحة لمعظم السوريين هنا”.

خمود الهمة

فور وصول ماريا (28 عامًا) من مدينة حمص، إلى مدينة مرسين مع زوجها، قررا أن يبدأا على الفور بتعلّم التركيّة، محاولين ألا يكررا تجارب السوريين في إهمال هذا الجانب المهمّ، تقول “وصلنا إلى تركيا منذ عامٍ تقريبًا، وقررنا أن نسعى للاندماج بين الأتراك وكسر الخوف من اللغة بالبدء الفوريّ بتعلّمها، وهكذا اتفقنا مع مدرّسة سورية لإعطائنا دروسًا خصوصيّة مع عائلة صديق زوجي”.

بدأت العائلتان بتلقّي الدروس الخصوصية بحماس سرعان ما خمد، تعلّل ماريا ذلك “وجدتُ وزوجي عملًا في شركة سوريّة وهو يستغرق منا نهارنا كله، مما قلّص الوقت المتاح للنشاطات الجانبية بشكل كبير”، وهكذا بدأت العائلتان بتخفيض عدد الدروس لتتناسب مع انشغال ماريا وزوجها، تتابع “خفضنا الدروس من درسين أسبوعيًا إلى درس واحد، ومن ثم كل عدة أسابيع درس، ثم انقطعنا تمامًا”، تقول ماريا ذلك وتعرب عن أسفها لانقطاعها بكلمة تركية- عربية “مع الأسف”.

خسائر الجهل باللغة

مخالفات السيارةأغلى منها

رغم أنه لا يرى نفسه مضطرًا لتعلم اللغة التركية، إلا أن “أبو براء” يعترف بأنه تعرّض للخداع ودفع ثمن جهله بها مرارًا، وآخرها عند شرائه لسيّارة من رجل تركيّ، يقول أبو براء “جهلي باللغة يجعلني أمرّ بالكثير من المواقف مع الأتراك، ممن يستغلون عدم معرفتي بلغتهم وحاجتي لغرض معين، وآخر موقف كان عندما اشتريت سيّارة قديمة من رجل تركيّ مقيم في منطقتي، ثمن السيارة لا يتجاوز 5000 ليرة تركية بسبب حالتها السيئة، لكنها تلزمني لتنقلاتي بين البيت والعمل في منطقة جبلية وعرة الطرق”.

بعد شهرين من استخدام السيارة ومماطلة صاحبها لرغبة “أبو براء” بأن ينقلها لاسمه ويسجّلها رسميًا، عرف سبب المماطلة، يشرح ذلك “بعد البحث بصحبة صديق يتقن اللغة التركية، اكتشفتُ أن المخالفات المترتّبة على هذه السيارة تزيد عن سعرها الذي اشتريتها به، هل سمعت بسيارة مخالفاتها أغلى منها؟”.

رفض صاحب السيارة التركيّ استعادتها من “أبو براء” والاعتراف بخداعه، يقول “ادّعى أنه وضّح لي الأمر لكنني لم أفهمه بسبب جهلي، وهل يقبل عاقل بعيبٍ كهذا إن عرفه؟ أصررت على استعادة أموالي، وبعد صولات وجولات وتدخّل الكثير من الوسطاء استعدتها بالنهاية، الحمد لله”.

احذروا من مزدوجي اللغة

قبل أن يتوجه أبو نضال، ستّينيّ من حمص، وزوجته إلى تركيا، وجّهت إليهم الكثير من التحذيرات حول عدم التعامل مع من يتقنون اللغتين العربية والتركية، لكن ذلك لم يحمهما من الوقوع في الشّرَك، تقول أم نضال “لجأنا من سوريا إلى اليمن، وعندما ساءت الأوضاع هناك انتقلنا إلى تركيا، لم يكن لدينا أحد في اسطنبول، وكِبر عمرنا لا يساعدنا على تعلّم اللغة، وهكذا تعرّفنا على شخص يدعى أبو سنان، تركيّ من أصل سوريّ ومتزوج من سورية، وعرض مساعدتنا في كل شيء، لم يكن لدينا مشكلة بالمقابل المادي الذي نعطيه إياه بطبيعة الحال”.

وثقت العائلة بـ”أبو سنان”، وسلّمته كل ما يلزمها، ابتداء من البحث عن بيت واستئجاره، مرورًا بزيارة المشافي واستصدار بطاقات الحماية المؤقتة، إلى شراء الأثاث وتذاكر الطائرات، تضيف أم نضال “زارنا مع عائلته واعتبرناه جزءًا منا، صار وسيلتنا للانتقال بين الأماكن باستخدام سيارة الأجرة الخاصة به، شعرنا معه بالأمان لأنه يتحدث اللغة التركية ويعرف قوانين البلد، وينوب عنا في كل شيء”.

اكتشف أبو نضال مصادفة حجم الخداع الذي يتعرض له، عندما قارن أسعار تذاكر الطيران الاعتيادية بما يشتريه له أبو سنان، وهنا بدأت سلسلة المقارنات، تشرح أم نضال “بعد أن عرفنا أن أسعار تذاكر الطيران أرخص بكثير مما ندفعه لأبو سنان، بدأنا بمقارنة كل ما اشتراه لنا مع من تعرفنا عليهم من السوريين، وهكذا أدركنا كم كان جهلنا كنزًا له”.

تابعنا على تويتر


Top