هل الهدية من مقدار مهديها فعلًا؟

5.png

حنين النقري – دوما
المتأمل لحال المجتمع اليوم، يدرك بقليل من التمحيص مقدار التغييرات التي ألحقتها به الثورة، السنة الأخيرة من عمرها على وجه الخصوص..
فبالإضافة إلى تغيير النفوس والظروف ووسائل الحياة اليوميّة، طال التغيير أيضًا عادات وأمورًا كثيرة في حياتنا.. الهدية نموذجًا!
تعبّر الهدية -غالبًا- عن الحالة الاجتماعية-المادية لمهديها، ولعلّها من أكثر المظاهر الاجتماعية دلالة على قيم وطبائع المجتمعات.. رسّخ لهذا قول شاعر قديم « إنّ الهدية من مقدار مهديها»
تاريخيًّا، كانت الهدية محلًّا للمباهاة والبذخ وإبراز القدرة المادية عند الأمراء والملوك، فها هنا ملك فرش تحت أقدام ابنته المسك عندما أرادت اللعب بالطين، آخر أهدى محبوبته سبّحة بديعة يطعم ثمنها ألف فقير وجائع في أزقّة مملكته، وذاك أهدى صديقه قصرًا لا زال أسطورة بالفنّ والإبداع. كل ذلك يذكر في صفحات التاريخ دلالة على الحبّ وعظم مكانة المُهدَى، وإن كانت دلالته الأوضح مقدار الترف والبذخ، وحبّ الظهور الماديّ في تلك المجتمعات.
في الماضي القريب (السنوات الأخيرة قبيل الثورة)، باتت الهدية -كما كل الأشياء- مظهرًا من مظاهر المباهاة والمفاخرة، هي شيء ثمين لا يفيدك غالبًا، تركناه على الرفّ إلى جانب هدايا أخرى كثيرة تشبهه، أقلام وساعات حليّ ومجوهرات أجهزة موبايل قطع خزفية منحوتات فنّية، كل سجّل عليه اسم مهديه لتردّ له الهدية بمثلها في مناسبة قادمة حتمًا، تشتريها من مكان غدا أساسيًا في أسواقنا: محلّ الهدايا.. ذاك المكان المليء بالقطع الجميلة البراقة، والتي يصادف أنها غير مفيدة!
لكنّ دوام الحالمن المحال، فالحصار الذي جعل الحياة مفتقرة لأساسيّات الحياة، يجعل للهدية معنى آخر، وخيارات أخرى، غير تلك التي كنا ندريها واعتدنا عليها..
إن كنت من سكان المناطق المحررة المحاصرة، وأردت زيارة صديقك مع هدية بسيطة، لن تفكّر في التحف الجميلة المعروضة في محلّات «الهدايا» ربما ستزور البقّال وتشتري له مقدارًا من العنب أو المشمش! عندما ترغب بزيارة جيرانك الجدد وبصحبتك «هدية ما»، لن تكون لوحة فنّية باهظة الثمن، أحد الخيارات المطروحة أمامك أن تهديهم خضارًا غير موجودة في السوق ويحتاجون اليها!. بضع حبّات من شجرة الليمون في دارك ستكون أجمل من أيّ زهور لمريض أقعدته نزلة برد في فراشه!
قديمًا، كانت الجدات يقصصن علينا أن أفضل هدية عند الزفاف هي «كيس كبير من السكر أو الأرز»، اليوم عادت هذه العادة، ولعودتها سبب أساسي، هو الفقر، والعوز، والحاجة إلى موارد أساسية في بيت المتزوج حديثًا.
كما انقرضت عادات بالية أخرى مثل التحف الصينية القديمة، التي داوم سكان الغوطة منذ قرون وحتى السنوات الاخيرة تجهيز فتياتهم بها في زفافهنّ، ﻷن القصف علّمهم أن لا بقاء لخزف صيني أو غيره.
من القصص الطريفة -الحقيقية- حول هذا الموضوع أن أحد الخاطبين قام بتقديم هدية مغلّفة لخطيبته، حملتها بخجل، وعندما قامت بفتحها كانت المفاجأة.. لم يهدها زهورًا ولا حليًّا، لا جهاز موبايل حديث ولا خاتمًا، كان في الصندوق أرغفة طازجة من خبز أمه!
الأساس بالهدية هو نشر الحب، «تهادوا تحابّوا» لا المباهاة والمبالغة بالمظاهر، الأساس أن تكون الهدية من احتياجات المهدى إليه، هل هناك أجمل من أن تستشير صديقًا مشرفًا على تأسيس منزل ما يحتاجه لتساهم في مساعدته بشكل فعلي؟
ربما كانت النماذج التي ذكرتها اضطرارًا في ظل الحصار، لكن ما المانع من التفكّر بها وجعلها سنّة حسنة نبدأ بها تغيير شكل الهدية في مجتمعنا لتحمل الكثير من الحبّ، والكثير من الفائدة؟

دمتم محبّين..

تابعنا على تويتر


Top