لولا بعض الرجال من منظمي الحفل لخلعنا حجاباتنا

“وين الملايين”.. المدن السورية تفتقد شبابها

syria10.jpg

قصر الحجاج في منطقة السويقة بدمشق 14 تشرين الثاني 2016( عدسة شاب دمشقي فيس بوك)

حنين النقري – عنب بلدي

عندما يقارن السوريون حياتهم بما كانت عليه قبل ستة أعوام، لا تقتصر المقارنة على الأمان الظاهريّ الذي كان، أو على سعر صرف الدولار وتأثيره على الأسواق وأسعارها، عدد الأفراد المجتمعين على المائدة الواحدة، وكمّ الشهداء والمعتقلين في قائمة جهات الاتصال، بل يشمل ذلك جوانب لم يتخيلوا أن تطالها يد الحرب وتغيراتها، بدءًا بشكل الشوارع، روحها، هوائها المشحون، ضوء شمسها الباهت، وليس انتهاءً بنسبة الذكور إلى الإناث، المتناقصة باستمرار.

تتعدد أسباب هجرة الشباب السوريّ، لكنها جميعها تصبّ في خانة تفريغ النظام للمدن السورية من شبابها، وتهجير الثورييّن الأوائل، ومن بينهم مراد (35 عامًا) من مدينة حمص، ويقول “رغم مشاركتي بالثورة منذ المظاهرات الأولى في الحي الذي أقيم فيه، إلا أنني لم أُطلب من قبل النظام لحذري الشديد في نشاطاتي الثوريّة المستمرة حتى اللحظة، ونظرًا لإنهائي الخدمة العسكرية قبل الثورة، لم أجد سببًا لخروجي من حمص رغم تدهور ظروفها بشكل كبير”.

بأمانٍ نسبيّ كان مراد يعيش بين أهله، مستمرًا بعمله في محلّ للهواتف النقالة كونه غير مطلوبٍ للنظام وغير مطالبٍ بالخدمة العسكريّة، إلى أن أتاه اتصال هاتفيّ غيّر خططه كلّها، يشرح بقوله “جاءني اتصال إلى منزلي من شعبة التجنيد، وبلّغوني بأنني مطلوب للاحتياط، حددوا لي فترة أسبوع لمراجعتهم في الشعبة، ولم أراجعهم بكل تأكيد”.

سياسة تفريغ ممنهجة

يعتبر مراد أن سياسة الاتصال الهاتفيّ بحد ذاتها منهجٌ واضحٌ لتفريغ حمص من شبابها، بعد أن تحقّق من اتصال شعبة التجنيد بعددٍ من أصدقائه ومعارفه، يقول “منذ متى تعتمد شعبة التجنيد التبليغ الهاتفيّ مع تحديد مدّة معينة لمراجعة الشعبة؟ كانت الرسالة غير المباشرة من الاتصال أن أخرج من البلد وإلا سحبوني للعسكرية، وبالطبع اخترتُ الأولى وتوجّهت إلى أقرب مهرّب لنقلي إلى تركيا”.

يفسّر مراد عدم سحب الشباب للاحتياط مباشرة “بعدم وثوق النظام بهم”، ويضيف “صحيح أن النظام بأمسّ الحاجة للجنود اليوم، لكنني أعتقد أنه لا يثق بنا كأبناء مناطق ثارت عليه منذ البداية، وهو يعلم أن رضوخنا اليوم لحواجزه وحُكمه ليس تأييدًا له، وهكذا يرى الحلّ بإخراجنا من الساحة نهائيًا ليضمن عدم ثورتنا عليه أو انشقاقنا عن صفوف جيشه”.

محظوظ.. ولكن

ما كان مصدرًا لحزن أم عمرو في طفولته، صار بعد الثورة مبعث اطمئنان لديها، فعدم وجود إخوة ذكور له أمام أربع أخوات إناث، جعله في منأىً عن تعقيدات الخدمة العسكرية وحمل السلاح والمشاركة في القتل، يقول عمرو، وهو مهندس معلوماتية من دمشق، “بعد تخرّجي لم أبحث عن فرصة لدراسة الماجستير (من أجل تمديد تأجيل العسكرية الدراسي) كبقية أصدقائي، وإنما بحثتُ عن عمل، وبالفعل بدأتُ بتدريس مادة المعلوماتية في إحدى المدارس”.

شعور عمرو بالحظّ بدأ يتلاشى مع مقارنة راتبه في المدرسة برواتب زملائه خارج سوريا، يقول “لم أدرس هندسة معلوماتية للعمل كمدرّس، أضف إلى ذلك أن راتبي الشهريّ لا يتجاوز 50 دولارًا أمريكيًا، في حين يبلغ أقل راتب يتقاضاه من يحمل شهادتي عشرين ضعف هذه القيمة”.

عقدُ عمل

لم يرغب عمرو في السفر، إذ كان متمسكًا بالبقاء مع عائلته، وهو ما جعل خياره الوحيد لتحسين دخله عبر العمل عن طريق الإنترنت بشكل حرّ بتقديم خدماتٍ برمجيّة، يروي تجربته “عملتُ في البرمجة عن بعد لصالح شركات مختلفة من خلال مواقع العمل الحر، وسرعان ما شعرتُ بقيمة عملي الحقيقيّة، وبالخبرة التي أدفنها في العمل خارج مجالي، والمهارات التي يمكن أن أصقلها عبر المزيد من المشاريع”.

سأل عمرو أصدقاءه خارج سوريا، وأكدوا له وجود فرص لحملة شهادته، ورواتب مغرية مقارنة بما يتقاضاه، يضيف “عمري يضيع دون أن أتمكن من ادخار أي مبلغ لبناء نفسي، ما الذي يمكن أن تدخره من 50 دولارًا؟ هذا ما جعلني أحسم أموري، وقررتُ السفر بعد أن وقعتُ عقدًا مع شركة في تركيا”، يضيف عمرو من مكان إقامته الجديد في مرسين.

صبحيّة نسوان

بعد عودتها من حفل تقيمه إحدى الجمعيات الخيريّة في حمص، تقول الشابة مها، خريجة هندسة عمارة، “عندما دخلتُ إلى قاعة الحفل شعرتُ أنني في “صبحيّة نسوان”، بين كل الحضور لا يوجد شباب سوى من منظمي الحفل ولولاهم لتمكّنا من خلع الحجابات، فالحاضرات كلهنّ نساء من مختلف الأعمار”.

تضيف مها أن “صبحية النسوان” هذه تعكس بشكل كبير ما تراه كل يوم في الشوارع ووسائل النقل، وتتابع “قد يبدو الأمر غريبًا لكنه بات مألوفًا لمن يعيش في سوريا، فمثلًا بالنسبة لي سافر إخوتي الذكور خارج البلد، كذلك حال أبناء أعمامي، خالي، وأبناء خالتي، وهو أمر تعيشه معظم العائلات، ولم يتبقّ إلا من يدرس في الجامعة، أو من جاوز عمره الخمسين”.

البحث عن موظفين

ما بدا لمها “صبحية نسوان” جميلة، هو بالنسبة لـ”أبو راغب” كابوس حقيقيّ يتفاقم مع مرور الوقت، يشرح لنا “أملك مكتبة كبيرة هنا في حماة منذ عدة سنوات، كنت أديرها مع فريق من ستة شباب، لكنهم بدؤوا بالسفر واحدًا بعد آخر هربًا من خدمة العسكرية، واليوم لم يتبقّ منهم أحد”.

يحاول أبو راغب البحث عن أي بديل لأيّ موظف يسافر، لكن الأمر ليس بالسهولة المتوقعة “في الماضي كان صاحب العمل يستطيع إيجاد عشرة موظفين بدل أي موظف يترك العمل، اليوم الأمر أصعب بكثير، فبعد كثير من البحث أحظى بشابٍ خلوق وأمين، أدرّبه على أقسام المكتبة والأسعار والتعامل مع الزبائن ومكنات التصوير، لكن كل تدريبي يذهب عندما يقرر السفر مثل كل من سبقوه”.

أطفال.. ونساء

تغدو الأمور أصعب على “أبو راغب” عندما يبحث عن شابّ بخبرات إضافية، مثل الفوتوشوب أو غيره من البرامج، يقول “طبعًا كل الخطوات السابقة لا تقارن بصعوبة إيجاد موظف خبير بمهارة معيّنة، وجود الشباب بحدّ ذاته صار نادرًا، فما بالك بشرط الخبرة؟”.

يشير أبو راغب إلى أن مشكلة إيجاد عمال ومساعدين ليست خاصة به فقط، إذ يكثر الحديث عنها والشكوى منها بين أرباب الأعمال المختلفة، والذين يتحايل كلّ منهم بطريقته على الأمر، يتابع “البعض وظّف أطفالًا في عمر لا يتجاوز الثانية عشرة، الأهل يرغبون بأن يعمل أطفالهم ليزيدوا دخل الأسرة، وأصحاب الأعمال بحاجة لمن يساعدهم. في السنة الماضية اعتمدتُ بشكل كليّ على طلاب الجامعات في العمل، لكنّهم لا يستطيعون الاستمرار بسبب مواسم الامتحانات ودوام الجامعة، وهو أمر يتزامن مع مواسم الضغط على العمل في المكتبة أيضًا”.

قلة الشباب وضغط العمل أجبرا أبو راغب على اللجوء لخيارات جديدة لم تكن مطروحة لديه، يضيف “لم يكن لدي خيار إلا بتوظيف عدة شابّات في المكتبة مؤخرًا، على الأقل لن تسافر إحداهنّ فجأة لأنها مطلوبة للاحتياط”.

تابعنا على تويتر


Top