محكمة مركزية في جرابلس.. خلاف بين مجالس القضاء والفصائل تحت إمرتها

aleppo-syria2.jpg

دورات تدريبية لسلك الشرطة والأمن في مدينة جرابلس (المجلس المحلي لمدينة جرابلس فيس بوك)

مراد عبد الجليل – عنب بلدي

لم يمض شهران على طرد تنظيم “الدولة الإسلامية” من جرابلس شمال حلب، في إطار عملية “درع الفرات” من قبل تركيا التي دعمت خلالها فصائل “الجيش الحر”، حتى أعلن في تشرين الأول الماضي، عن تشكيل محكمة مركزية في المدينة.

المحكمة المؤلفة من قضاة ومحامين جاء تشكيلها باقتراح من “مجلس القضاء الأعلى” في حلب، بالتعاون مع الفصائل المقاتلة والمجلس المحلي في جرابلس من أجل استقرار الأمن، خاصة بعد حالة الفوضى التي تلت تحرير المدينة، إضافة إلى المشكلات والجرائم التي نفذها تنظيم “الدولة” أثناء سيطرته على المدينة منذ 2014.

محكمة جرابلس تابعة لـ “مجلس القضاء الأعلى الحر”، الذي أعلنت تأسيسه سبع محاكم في حلب في تموز 2015، بحسب ما قاله رئيس المجلس المحلي السابق في جرابلس والمحامي، محمود العلي، لعنب بلدي.

بداية تشكيل المحكمة وخلاف المجالس

تشكيل المحكمة عكس حالة الخلاف بين مجالس القضاة السوريين، التي تشكلت خلال الثورة في مناطق المعارضة أو في تركيا، وخاصة بين “مجلس القضاء الحر المستقل”، الذي تأسس في أيلول 2012، على يد أربعة قضاة انشقوا عن النظام، وبدأ بطرح مبادرات وهيكليات للجسم القضائي، لكن الفصائل العسكرية أسهمت بإفشال وجود قضاء مستقل يُخضعها للمحاسبة القانونية، وفق تحقيقٍ مطوّل نشرته عنب بلدي سابقًا، وبين “مجلس القضاء الأعلى” الذي تشكل في حلب، في 30 تموز 2015، وأسهم في إنجاز يعتبر الأول من نوعه في مناطق المعارضة بعد أن تمكن من ضم جميع المحاكم الموجودة في المحافظة.

عضو مجلس القضاء المستقل، القاضي إبراهيم حسين، قال، في حديثٍ إلى عنب بلدي، إن “المجلس المحلي في جرابلس تواصل معهم حول تشكيل المحكمة، وأبدى مجلس القضاء استعداده المبدئي للعمل والتعاون في هذا الإطار، وفق مبادئه ورؤيته حول تشكيل السلطة القضائية، وضمن خطة متكاملة تنطبق على كل المناطق الخاضعه لسيطرة المعارضة”.

إلا أن رئيس مركز الدراسات في “مجلس القضاء الأعلى” القاضي، محمد مشعل، اعتبر “أن المجلس السوري المستقل الموجود في تركيا، ليس له أي مساهمة أو أثر في الداخل السوري، بالرغم من حاجة الداخل له”، متسائلًا “إذا لم يكن داخل سوريا فما الفائدة منه؟”.

وعن تشاورهم مع “مجلس القضاء المستقل” حول تشكيل المحكمة، قال مشعل، وهو أيضًا قاضٍ في محكمة جرابلس، إنه “لا يوجد تواصل ولا تنسيق بين المحكمة ومجلس القضاء المستقل، ونحن كقضاة غير مسؤولين عن تصرفات المجلس المحلي (الذي تواصل مع مجلس القضاء لإنشاء محكمة)، لافتًا إلى أنه “إذا أراد مجلس القضاء المستقل الدخول والعمل في جرابلس، فلا يوجد مانع لذلك، شريطة أن يكون العمل تحت نظام مجلس القضاء الأعلى وضمن الأعراف الدولية المتعارف عليها”.

ويرفض مجلس القضاء المستقل طريقة تشكيل مجلس القضاء الأعلى، بحسب إبراهيم حسين، الذي أكّد “لا علاقة لمجلسنا بما يسمى مجلس القضاء الأعلى، ولم نستشر سابقًا حول تشكيله، وكمجلس يضم معظم القضاة الذين قطعوا صلتهم بالنظام، فإننا نمتلك رؤية واضحة ومعايير محددة، تجعلنا نرفض الطريقة التي اتبعت في إطلاق (مجلس القضاء الأعلى)، ونعتقد أن في ذلك افتئاتًا واضحًا على الآليات التي ينبغي الاحتكام إليها قبل تشكيل السلطة القضائية”.

الفصائل العسكرية ودورها في تشكيل المحكمة

تشكيل المحكمة جاء عقب مشاورات مكثفة بين “مجلس القضاء الأعلى” في حلب والفصائل العسكرية الموجود في المدنية والمجلس المحلي.

وقال المحامي محمود العلي، الذي يشغل حاليًا عضو اللجنة الأمنية في المحكمة، إن كل كتلة عسكرية من الكتل الثلاث الموجودة في المدينة (كتلة الشامية: وتضم الجبهة الشامية وأحرار الشام، وكتلة السلطان مراد: وتضم سبعة ألوية أبرزها لواء المعتصم والحمزة و”لواء 51″، وكتلة فيلق الشام: التي تضم تسعة فصائل أبرزها نور الدين الزنكي) أرسلت مندوبًا لها، واجتمعوا مع قضاة وخبراء ومختصين من “مجلس القضاء الأعلى” ومن مناطق ثانية كاعزاز، واتفقوا جميعًا على تشكيل المحكمة.

كلام العلي أكده مشعل، الذي قال إن “المجلس لم ينشئ المحكمة إلا بعد أخذ ميثاق على جميع الفصائل العاملة، بأن تكون القوى التنفيذية لها في تنفيذ جميع قراراتها الصادرة عنها، وهناك تعاون إلى حد كبير ومطلق من الفصائل”.

آلية اختيار القضاة

وعقب تأسيس المحكمة شكلت لجنة من قبل عدد من القضاة الذين لهم باع طويل، وطالبت من لديه الخبرة ويرى في نفسه القدرة على أن يكون قاضيًا أو محاميًا أو كاتبًا أو إداريًا، التسجيل في المحكمة خلال مدة أعلنتها اللجنة وامتدت عشرة أيام، وخلال المدة المحددة تقدم حوالي 15 شخصًا.

وأجرت اللجنة مسابقة، بحسب مشعل، ضمن شروط محددة ممن يحملون شهادتي القانون والشريعة، وتتوافر لديهم خبرات سابقة، ضمن معايير مجلس القضاء الأعلى.

وأكد أن الأولوية في التعيين كانت للقضاة الذين انشقوا عن النظام السوري، ثم لمن خضعوا لدورات قضائية في مجلس القضاء الأعلى وضمن معهد القضاء العالي في قطر.

واختارت اللجنة أربعة قضاة في البداية قبل أن تختار أربعة آخرين، ليصبح عدد القضاة في المحكمة ثمانية، إلى جانب إداريين وماليين.

لكن عضو المجلس السوري المستقل، إبراهيم حسين، انتقد انتقاء القضاة بقوله “اختيار القضاة يستدعي أولًا وجود سلطة قضائية شرعية، تختار القضاة الذين ينبغي أن تتوفر فيهم شروط لا تخفى على رجال القانون، ومع إدراكنا لأهمية وجود محاكم في المدن والبلدات التي خرجت عن سيطرة النظام والحاجة لقضاة يديرونها، إلا أننا بنفس الوقت ندرك أهمية اتباع الوسائل الشرعية في إنشاء المحاكم واختيار القضاة بما يضمن استقلالية القضاء وقيامه بالدور المأمول في ترسيخ مبادئ العدالة”.

دعاوى كثيرة والقانون العربي الموحد

بعد تشكيل المحكمة، انهالت أعداد كبيرة من الدعاوى التي بلغ عددها أكثر من 200 دعوة، بحسب العلي، بسبب غياب أي نوع من المحاكم لفترة طويلة، ومن الشكاوى المرفوعة دعاوى ديون وشرعية وجزائية وخصومات ونزاعات.

أكثر الدعاوى كانت “عقارية”، لأن تنظيم “الدولة الإسلامية” استولى على كثير من الأراضي العائدة ملكيتها للمواطنين أثناء سيطرتها على المدينة، ما تسبب بمشاكل عقارية كبيرة.

وأكد العلي أن المحكمة حسمت موضوع العقارات نهائيًا، فكل شخص أخذ منه منزله ولم يكن من التنظيم أو من “وحدات حماية الشعب” الكردية أو متعاملًا مع النظام السوري بشكل مباشر، أعيد إليه منزله.

أما القانون المعمول به في هذه المحاكم، فهو “القانون العربي الموحد”، الذي يعتبره البعض مخرجًا ذكيًا لمشكلة اختلاف الجميع في الداخل السوري على المرجعية القانونية ورفضهم للقانون السوري، وأن تطبيقه يرضي من يطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية من جهة، ومن يطالب بتطبيق قانون عصري من جهة أخرى، كما يرون أن المحاكم التي ستطبقه لن توصف بـ “الإرهاب”، لأنه معتمد في جامعة الدول العربية.

لكن مجلس القضاء السوري له رأي آخر، بحسب إبراهيم حسين، الذي قال “نحن متمسكون بتطبيق المنظومة القانونية السورية التي هي ملك وتراث للشعب السوري، وهي نتاج حوالي 100 عام من اجتهاد الخبرات القانونية التي يفتخر بها تاريخ القضاء السوري بل وحتى العالمي، وهذه المنظومة قطعًا ليست ملكًا لبيت الأسد ونظامهم الفاسد حتى نستبدلها، بالرغم من إقرارنا بأن هناك الكثير من التعديلات التي يجب القيام بها لتطهيرها من رجس الاستبداد”.

وأضاف “كانسجام مع رؤيتنا حول الشرعية، فإننا لا يمكن أن نقبل بأن تجري التعديلات أو تلغى القوانين، إلا من قبل سلطة شرعية منتخبة، تعبر عن إرادة السوريين، وهذا كله يفسر رفضنا لتطبيق القانون العربي الموحد، الذي نعلم بالأساس أنه قاصر عن الإحاطة بكل ما يتطلبه العمل القضائي”.

أبرز معوقات المحكمة

وتعاني المحكمة من معوقات متعددة أبرزها الدعم والتمويل بحسب ما اتفق عليه المحامي محمود العلي، والقاضي محمد مشعل.

المحكمة في طور تأسيس ضابطة خاصة من أجل الاستغناء عن الفصائل العسكرية أثناء تنفيذ القرارت العادية والصغيرة، في حين تعتمد على قوة عسكرية ومساعدة الفصائل في حال اعتراضها قضية كبرى، وهذا كله يحتاج إلى تمويل، بحسب العلي. وأكّد أن هناك أكثر من جهة وعدت بدعم المحكمة، إلا أن الدعم حتى الآن ذاتي من خلال رسوم الدعاوى وغرامات البضائع التي تمر من المنطقة، والتي يتم وضعها في الخزينة وتوزيعها على القضاة والعاملين في المحكمة.

وأوفدت تركيا بعض المسؤولين، بحسب مشعل، ووعدت بتقديم الدعم المادي للمحكمة، وتأمين مستلزماتها وما تحتاجه، إضافة إلى وعودها بتدريب أكثر من 200 شرطي في تركيا وتجهيزهم.

أما العائق الثاني الذي يعترض المحكمة فهو وجود الفصائل العسكرية داخل المدينة، بحسب العلي، الذي أكد أن أكثر من إشكال حصل في الفترة الماضية وتم الهجوم على المحكمة، فتدخلت تركيا وأنذرت الفصائل بإخلاء المدينة بأسرع وقت، ما جعل الفصائل تبدي تعاونها بشكل كبير مع المحكمة.

وتوقع العلي أنه خلال عشرة أيام ستخلو المدينة بشكل كامل من الفصائل التي كانت تشكل عبئًا على المحكمة والمواطنين.

مشعل أوضح أنه لن يكون هناك خروج للفصائل وإنما خروج المقرات العسكرية التابعة لها من داخل المدينة، وحاليًا لم يبق إلا القليل من المقرات العسكرية، ومعظمها خرج إلى الجبهات.

تابعنا على تويتر


Top