“الإعدام” ثمن الخروج من مناطق النظام السوري في دير الزور

Dear-alzor.jpg

إعدام تنظيم الدولة الإسلامية لشباب في دير الزور بسوريا (تويتر)

برهان عثمان – أورفة

“أن تلقي نفسك في المجهول أهون من تلك الحياة التي كنا نعيشها”، بهذه الكلمات يصف بكر أحد الخارجين من حي الجورة إقدامه على الخروج من الأحياء المحاصرة رغم أن هذا الخروج قد يكلفه حياته، ويصف الحي قبل خروجه بأنه ’’سجن كبير ينتظر أفراده الموت البطيء”.

الجميع مرهق هناك “لا كهرباء، ولا مياه صالحة للشرب، وحتى الخبز صار شحيحًا”، كلّ شيء توقّف منذ أكثر من عام ونصف، وتحديدًا منذ الشهر الثالث 2015، تاريخ إعلان تنظيم “الدولة الإسلامية” عن حصاره لمناطق سيطرة النظام السوري في ديرالزور، وهي أحياء الجورة، والقصور، وهرابش.

ثلاثة أحياء كانت تضم أكثر من 250 ألف مدني حينها، أما اليوم فمن بقي هناك لا يتجاوز عددهم 150 ألف مدني.

طرق الخروج كانت إما بشكل رسمي عبر تقديم طلب للمحافظ أو للقائد العسكري، عصام زهر الدين، وفي وقت تعطى الموافقات ’’لأناس معينين’’، بحسب توصيف بكر، هم من المقربين من النظام وميليشياته، كانت طوابير طويلة تضم الآلاف تقف كل يوم في انتظار إذن الخروج من “الجحيم” ليتمكن في النهاية عدد قليل منهم الحصول على ورقة مختومة تسمح له بالعبور.

أسعار التهريب تصل إلى 150 ألف ليرة سورية

يقول الشاب، الذي كان يحاول أن ينهي دراسته الجامعية قبل أن يلوذ هاربًا بنفسه خوفًا من تجنيده في صفوف قوات الأسد أو ميليشياته، “نجحت في الهرب من مناطق سيطرة النظام بعد ثلاث محاولات فاشلة، لكن ذلك كلفني 150 ألف ليرة’’.

بعد ذلك وصل الشاب إلى حواجز تنظيم “الدولة”، في منطقة الحصان، ويقول “هناك تمّ فصل النساء عن الرجال وأخذ كل منهم إلى سجن مستقل، حيث دام التحقيق معنا أكثر من يومين قبل أن يتم إخراجنا بعد مصادرة جميع الوثائق الرسمية، التي بحوزتنا وتمزيق شهاداتنا وبعض الأوراق الرسمية الأخرى التي كنا نحملها، كما أجبرنا عناصر التنظيم على توقيع إقرار نتعهد فيه بحضور دورة شرعية بعد عدة أيام”.

عبور غير آمن للنهر وخروج غير مضمون النتيجة، فالشاب يعتبر نفسه من المحظوظين بعد أن تمكن من الهرب مبتعدًا عن مناطق النظام والتنظيم، لكنّه مايزال يستفسر عن مصير سبعة شباب كانوا معه أثناء رحلة العبور وبعدها في سجون التنظيم، “كنا تسعة شباب في السجن ولم يخرج منا سوى اثنين، أنا أحدهما”.

بين المختفين أربعة من “أعز” أصدقاء بكر، ويردّد أسماءهم: إبراهيم سنة ثالثة اقتصاد، ومأمون سنه رابعة علوم، وعبد المجيد سنة رابعة حقوق، وفيصل سنة ثالثة طب بيطري. ومنذ غيابهم في 28 تشرين الثاني 2015، لا يعرف بكر أي معلومة عنهم، بينما أعلن التنظيم إعدام بعض من ثبت تعامله مع النظام، بحسب روايته.

لم يلتزم بكر بحضور الدورة الشرعية، وفرّ مباشرة إلى مكان آخر عاش فيه فترة من الزمن تحت اسم مستعار خوفًا من ملاحقة التنظيم له، عازيًا ذلك بالقول “بعض من حضر أرسلوا إلى دورات عسكرية ومعسكرات مغلقة والكثير منهم لم يعد”.

وكان تنظيم “الدولة” يجمع الأشخاص الخارجين من الأحياء المحاصرة، ثم ينقلهم إلى بلدة معدان لما يوصف هنا بـ “الاستتابة” فارضًا عليهم الخضوع لدورة شرعية مدتها 40 يومًا.

يقول بكر ’’داخل مراكز التحقيق نتعرض لشتى أنواع التهم لكن أخطرها: الانتساب السابق لميليشيات الدفاع الوطني والقتال في صفوف قوات النظام، كنا نخضع لتحقيق عنيف ومرهق”.

اليوم الأحياء المحاصرة شبه مغلقة ولا منفذ لها سوى الطيران المروحي، إذ منعت قوات النظام خروج المدنيين بشكل كامل وخاصة الشباب، الذين باتوا مسجونين داخل منازلهم خشية تجنيدهم من قبل النظام وميليشياته.

ثمن العبور إعدام

بين الحين والآخر يعلن تنظيم الدولة أنه أعدم أحد المعتقلين الموجودين لديه بعدما خرجوا من حي الجورة، ثم انقطعت بعد ذلك أخبار المعتقلين بشكل كامل، لتظهر بعد أشهر بخبر يعلنه التنظيم عن عملية “إعدام”، والتهمة دائمًا هي ثبوت التواصل مع النظام.

يقول محمد، أحد السجناء السابقين عند تنظيم “الدولة”، لا أحد يعرف مدى مصداقية التنظيم في ما يعلنه سواء في تاريخ الوفاة أو أسبابها أو حتى في ثبوت التهم المنسوبة إلى هؤلاء الأشخاص، مؤكدًا أن العديد من المعتقلين يقتلون تحت التعذيب، وأن التنظيم بات يتفنن في وسائل التعذيب ويبتكر ويبدع مستخدمًا مختلف الوسائل كالسكاكين والمقصات والشفرات الحادة والمثقب الكهربائي والمسامير الحديدية، فضلًا عن الوسائل المعروفة كالشبح لفترات طويلة، والمنع من النوم، والضرب المبرح.

أطلق سراح محمد بعد التحقيق معه لمدة شهرين، والتهمة كانت التواصل مع “الجيش الحر” أو “الصحوات والمرتدين”، كما يطلق عليها التنظيم.

مايزال محمد يستيقظ من نومه فزعًا وهو يستذكر ما حصل معه أثناء فترة الاعتقال، ويقول “ذات ليلة أمرنا عناصر التنظيم بركوب (بيكاب كيا)، كنا عشرة مساجين معصوبي الأعين وكان هناك عدد من العناصر معنا يهددوننا بالقتل ويطلقون النار بالقرب منا ويمررون السكين على رقابنا، كانوا يتحدثون عن أخذنا إلى الفلاة (البرية)، وهي منطقة بعيدة وغير مسكونة، لذبحنا”.

لا يعرف الشاب إن كان التهديد حقيقيًا أم مجرد وسيلة لإخافتهم، كل ما يتذكره أن السيارة توقفت في منتصف الطريق وأنه نزل راكضًا منها مع بقية السجناء، متسائلًا “هل كانت طريقتهم لإطلاق سراحنا أم أننا فعلا هربنا؟”.

مصير مجهول

لائحة طوية لعشرات الأسماء لا يعرف مصيرهم حتى اليوم، وقد يكون إعلان موتهم راحة لهم ولمن مايزال ينتظر خبرًا عنهم.

وفي حين تتباين الأرقام التي يذكرها بعض الناشطين عن هؤلاء، يبقى العدد الحقيقي موجودًا فقط في حوزة التنظيم، ويبقى مصير المئات من المعتقلين ملفوفًا بالغموض، ومعلقًا بخيط في يد عناصر التنظيم ومعقودًا على أمل خبر يقين ينبئ عنهم ذات يوم.

بعد أكثر من عام ونصف مايزال بكر يرى أن أهالي دير الزور دفعوا ثمنًا باهظًا لعبورهم، وربما مايزالون يدفعونه حتى اليوم، محاولًا أن يعرف أي خبر عن رفاقه حتى لا يبقى أسير الظنون، في حين يحاول محمد أن يتعايش مع كوابيسه التي باتت جزءًا منه ومن مدينته، كما يقول.

تابعنا على تويتر


Top