وجمعنا ظلام السجن…

-بلدي-العدد-العاشر-الأحد-8-نيسان-2012.pdf-Page-8-image-7.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 14 – الأحد – 6-5-2012

أحبتي وإخوتي خلف القضبان، بداريا تلاقينا ولعبنا معًا في كرومها، وأكلنا من عرائش عنبها البلدي، وحفرنا في ذاكرتنا أجمل الصور لسوريا الغد، ثم شاء المولى أن يختارنا لننطق حقًا في وقت آثر فيه بنو قومنا الصمت خيارًا، فقمنا في لحظة جلوس قومنا وتهاونهم، وثُرنا على الظلم وآمنا برب العدل إلهًا، هجرنا طيب اللذّات، وتركنا الأهل والأحباب، وكنا على يقين أن الله معنا ولن يخذلنا ولن يسلمنا إلى عدونا، وعدو الحق والإنسانية.

ثم شاء المولى أن يجمعني مع صفوة خلقه في الظلمات خلف قضبان الحرية، ولكنني وجدت الآن أن بعضًا من قومي هم الذين في الظلمات، ونحن كنا خلف القضبان نورًا وحلمًا ينتظر تحقيقه أحبابنا ومن ينتظر عودتنا، كنا ذاك الفأس الذي سيدمر أصنام بني قومي، وقد عاهدنا بعضنا أن نكمل الدرب وأن نستمر في صناعة سفينة نجاتنا، وإن سخر منا الساخرون، لأننا سننجو نحن وهم سيغرقون، وسنعصم أنفسنا وأهلينا ومن أحببنا من الغرق في بحر الظلمات.

جمعنا ظلام السجن، ولن أنسى كم غنينا للحرية، للوطن، للشهيد، وكذا للأحرار، وأرسلنا مع كل طرفة عين رسالة إلى من أحببنا، وقبلة ترتسم على جباه من ضحينا لأجلهم، وودعنا زمن النقاشات العقيمة التي لا ينتهي مخاضها الأليم، وكذا ودعنا زمن المقاهي والتسكع في الحارات لإبعاد النظر عن نشاطاتنا، فآذاننا الآن لم تعد تسمع إلا الحقيقة، وأدركنا أن هرب المرء من قول كلمة الحق خوفًا من السجن، هو السجن بذاته، وأن طلب السجن ثمنًا لكلمة الله هو الحرية بعينها.

سامحوني لأنني خرجت قبلكم، وها أنا أنتظر عودتكم سالمين، فتأكدوا أنكم الحبر الذي يملأ أقلامنا الآن، وكثيرًا ما نخط عنكم، وننسج لكم أجمل القصص عن تضحياتكم، وعن استمرارنا في الدرب الذي رسمناه معًا، فنحن الآن كما أردتمونا دائمًا.

ربما فرقنا ظلام السجن، فبتم الآن أنتم أحرارًا خلف القضبان، وأنا المقيد بالحروف والكلمات، حتى آثرت الصمت مرارًا لأن كلماتي لا ترنو إلى منزلتكم الجديدة تحت شمس رب الحرية.

فرقنا ظلام السجن، ولكنكم في قلب القلب باقون، في نبضي وحروفي، في فكر كل الأحرار من أبناء قومكم، وطيفكم لا يفارق أحبتكم، وقد ارتسمت على جباههم القبلات التي كنا نرسلها لهم، مع أن دموعهم تمزق قلوبكم لكنهم يذرفونها تضرعًا للمولى أن يتغمدكم بعنايته.

سامحوني لأنني لم أعد أتنفس من زفيركم خلف القضبان، ولكن تأكدوا أنني الآن كما تريدون أن أكون، فأنا لا أتنفس إلا الحرية، مع أن رائحة النار تختلط معها، ولكن رائحة دماء الشهداء تفوقها، فتزيد المشهد جلالة.

تابعنا على تويتر


Top