أيديولوجية الحكم

محمد رشدي شربجي
من ناحية تاريخية، ليس صحيحًا على الإطلاق أن عدالة القضية سبب كاف لنجاحها. على العكس تمامًا، يقول التاريخ أن الشر غالبًا ما انتصر في مواجهاته مع الحق والأمثلة كثيرة ومعروفة. عدالة القضية تشكل سببًا لنجاحها ولكن اكتمال النجاح لا يكون إلا بالتخطيط والتفكير الدائمين والعمل الدؤوب على كسب أصدقاء جدد للقضية والسعي لانخراطهم بها.
إذا أتينا للثورة السورية، نجد أن النظام تبنى أيديولوجية بقدر ما هي فردانية واستبدادية بقدر ما هي جامعة وتعتمد في نجاحها على عناصر وشرائح مختلفة، لقد كانت أيديولوجية النظام في سوريا بسيطة غير معقدة وسهلة الشرح والتداول، إنه يريد أن يبقى في الحكم ولا شيء آخر، مهما كانت التضحيات من قبل أنصاره ومهما كانت الكوارث التي ستنتج عن ذلك، وفي سبيل ذلك عقد النظام السوري تحالفًا عابرًا للطوائف والقوميات والأيديولوجيات والحدود والدول في سبيل نصرة «قضيته». لا يوجد من تحالف محرم لدى النظام السوري طالما هو يخدم هدف بقائه في السلطة. برغم ادعاءات النظام بأنه نظام علماني قومي عروبي ممانع، فإنه تحالف مع الطوائف كلها بلا استثناء فتحالف مع السنة واعتمد على العلويين وغازل الأكراد وأثار مخاوف المسيحين، واستنهض كل شبكات الفساد وربطها به، تحالف مع رجال كل الأديان في سوريا وتحالف مع كل أعداء رجال الأديان في نفس الوقت، هذا على المستوى الداخلي. أما خارجيا فما زال النظام برغم كل العداء مع الحكومة التركية يعقد اللقاءات الصحفية مع الصحف المعارضة التركية ويدفع ملايين الدولارات لتسويق قضيته وتشويه خصومه في الأوساط الإعلامية الأوروبية والأمريكية.
ليس خافيًا على النظام بالتأكيد الفارق الهائل بين المكونات التي تدافع عن بقائه في الحكم، وليس خافيًا عليه أن لكل مكون دوافع مختلفة تمامًا عن دوافع المكونات الأخرى وعن دوافع النظام ذاته كذلك الأمر، ولكن المعركة وضرورتها فرضت على النظام أن يتحالف مع الجميع لإنجاح هدفه.
أثبت الربيع العربي أن الأنظمة العربية عديمة الأيديولوجية، ليس لأنها عبرت ببلادها نحو الليبرالية الجديدة ودخلت عصر «موت الأيديولوجية» مع العالم الحديث، ولكنها لأنها عادت ببلادها لما قبل الأيديولوجية إن لم يكن لما قبل التاريخ، لقد قامت الأنظمة العربية باعتقال الفضاء العام في بلدانها وأفرجت عن بعض القضايا للتداول العام ولإشغال النخب الثقافية والسياسية والثورية عن القضية الأساس وهي قضية الحرية. قبل أن يصل الربيع العربي إلى سوريا كان الوسط الثقافي مشغولًا بالصراع الأزلي بين نبيل فياض كممثل عن العلمانية ومحمد سعيد رمضان البوطي ممثلًا عن «الإسلام»، عشرات الكتب ومئات المقالات والمقابلات التلفزيونية والأحاديث الإذاعية تناولت هذا الصراع وصراعات أخرى مشابهة، ما أن وصل الربيع العربي حتى نسي هؤلاء خلافاتهم «السطحية» ليظهر على السطح تحالفهم «العميق» مع الاستبداد.
من ناحية الثورة نجد أنها شغلت بصراعات لا طائل منها على الإطلاق، سوى خدمة النظام بشكل غير مباشر، تبنت الثورة أيديولوجية جامعة في بدايتها واستطاعت من خلال شعاراتها وأهدافها الجامعة أن تجذب تعاطفًا شعبيًا وعالميًا واسعًا، ولكنها بعد ذلك انشغلت بمعارك جانبية أبعدتها عن هدفها الأساس، وأفقدتها جزءًا من مكاسبها. انشغلت بالصراع بين السلمي والمسلح وبين العلماني والإسلامي وبين السني والعلوي والعربي والكوردي، وهي في مجملها خلافات لا تصب إلا في مصلحة النظام.
ليس من باب الرومانسية دعوة الجميع إلى التوحد تحت راية واحدة جامعة بغية انتصار الثورة، وليس من باب الرومانسية كذلك مطالبة جميع القوى في الثورة بتقديم التنازلات لبعضها في سبيل انقاذ الثورة، وما لم يحدث ذلك فإني لا أذكر إلا قول المرحوم الدكتور المصري محمد يسري سلامة معلقًا على الصراعات السياسية في مصر قبل الانقلاب: «غدا إن شاء الله سيجتمع الإسلاميون في السجون مع الليبراليين وهناك ستتاح لهم الفرصة لمناقشة خلافاتهم جيدًا».

تابعنا على تويتر


Top