إليك أبي… لأنك دمرت حياتي

.jpg

عنب بلدي – العدد 96 – الأحد 22/12/2013

Vector illustration of a man lock up in prisonبيلسان عمر

«كل يوم تأتي زيارة لأحدنا من قبل والديه أو زوجته وأولاده، وتكون الزيارة بمثابة عيد لنا، ونفرح بما أحضروه لنا في الزيارة من ثياب ودواء ونقود، وكأن صاحب الزيارة في يوم عيد له، نجهز أنفسنا للزيارة، ونلبس الثياب المنمقة ما أمكن -ونبخبخ ما تيسر لنا من عطر- ونجهز من قبل هدايا من خرز وورق وبقايا ثمار السرو ورسائل للأهل والأحبة وربما قصائد شعرية، ونحتضن الهدايا معنا لحين الزيارة، وكأننا نحتضن بضعًا منا، ويتجهز كل من في المهجع لزيارة مرتقبة لأحدنا، فقد اعتدنا أن نجمع كل النقود في صندوق واحد، ونصرف منها سوية –نحن مجموعة الأصدقاء- ونتبادل أطراف الحديث عن الزيارة، وكأنها زيارة رسمية وتاريخية، لم يسبق وأن عاش لحظاتها حتى الملوك» هكذا كان انطباع صديق أحمد في سجن عدرا المركزي عن موضوع الزيارة. ويتابع الصديق «أما أحمد صديقي المقرّب وثلة أخرى من الأصدقاء لم يحظوا ولا بزيارة بسبب ظروف مناطقهم، وصعوبة وصول أهاليهم إلى سجن عدرا، وكنا نرأف لحالهم، ونشعر بمرارة لحظاتهم أثناء تواجدنا نحن في الزيارة» «وتفاجأنا ذات يوم بصوت الحارس ينادي لصديقنا أحمد، ويخبره بأن لديه زيارة، كاد عقل أحمد وعقولنا جميعًا تطير من الفرح، فقد أرسل لزوجته وأهله عدة مرات أن يأتوا لزيارته، وكان يوم استنفار عام في المهجع، أحدنا يناول أحمد ثيابه، والآخر يمشّط له شعره، وآخر يكتب على وريقات أرقام أهالي الأصدقاء ليعطيهم أحمد لأهله ويتواصلوا معهم ويطمئنوهم عن أبنائهم، وخرج أحمد للزيارة والبشاشة تملأ وجهه ووجوهنا، وكلنا نمسح بأيادينا عليه كلمسات سحرية قبيل خروجه ليبدو بأحسن حال وهو يمازحنا(حاج تمسحوا جوخ أبوي)» جلسنا ننتظر عودة أحمد من الزيارة بفارغ الصبر، وكل منا ينسج تصورًا عن هيئته حال عودته، ليقاطع تصوراتنا حال أحمد وصوت بكائه وهو يجهش من أعماق قلبه، دخل إلى المهجع، وارتمى بكليّته أرضًا، دون أن ينبس ببنت شفة، وجلسنا نتوسّله كلمة يطمئننا بها عن حاله، فلم يتمكن من الكلام، واستمر حاله عدة ساعات، حتى جافاه النوم، وتمكنّا من العثور على صورة لابنه، كان قد ضمها بين يديه قبل نومه، وقد كتب على الصورة «إليك أبي..لأنك دمرت حياتي»، وباغتتنا دموع الألم على أحمد، ما أقساها من عبارة، وما أقسى الإنسان فينا عندما يفعل بأخيه الإنسان هكذا. وبعد أن تمكن أحمد من الحديث أخبرنا أن زوجته أرسلت له هذه الصورة لابنهم، وأخذته وسافرت بعد أن أرسلت أوراق الطلاق لزوجها ليبصم عليها، فقد أتعبها أحمد بأفكاره ونقله من فرع لآخر، فآثرت أن تبعد ابنها عن هذه الأجواء جميعها». ليبقى أحمد مصرًّا على احتضان صورة ابنه، وألمه على فراقه، وقلبه يعتصر حزنًا كما قلوبنا.

تابعنا على تويتر


Top