التجييش والتعبئة..

جمال الزعبي

من الضروري لنجاح أي مشروع كان أو حركة ثورية أو دعاية انتخابية، تشكيل جمهور ومناصرين للأهداف التي يرنو لها ذلك المشروع، ويعتمد ذلك على ماهية الأهداف ومن ثم التعبئة الصحيحة داخل المجتمع واستمالة المجموعات لصالح التنظيم أو الحزب، ومهما كانت الأهداف سامية ومخلصة وبنّاءة إذا ما افتقدت للتعبئة لا تلبث أن تزول وتنحسر أمام تنظيمات أجادت إقناع الناس وكسب الكفاءات إلى صفها، فلا بُد من وجود أنصار فهموا تمامًا الرؤى والتوجهات واقتنعوا بها، وبالتالي تحولوا إلى مشاركين بصناعة القرار، وهذا يسمح لك كصاحب تنظيم أن تتكلم باسمهم وتضرب بسيفهم وهم أيضا كذلك، وهذا بالضبط ما يسمى بالتنظيم الناجح الفاعل، وبالتأكيد التعبئة لا تختص بمن يطالب بالحق، فبكلا الحالتين تحتاج إلى تعبئة لتدافع عن حقك أو باطلك.

إذا ما تكلمنا عن الثورات العربية، بغض النظر عما آلت إليه، فخروجها اعتمد على التجييش الداخلي بالبداية ومن أصغر وحدة اجتماعية إلى أكبرها بالتواتر والمشاهدة، ومن ثم لعب الإعلام دورًا بارزًا في ذلك، فعندما تتبنى قناة فضائية قضية ما وتجلب القاصي والداني للتحدث عنها في جوانب محددة فقط والتركيز عليها بهدف تأليب المجتمع على طرف معين دون آخر مثلًا، فهذا نوع من التجييش. وفي الحقيقة هناك ضحايا لهذه الحملات بسبب التضليل الممارس من قبلها وما يترتب على ذلك من انسياق مكونات مختلفة من المجتمع خلف أهواء بعض المروجين، وبالمقابل أيضًا، وفي نفس السياق وإذا طرحنا الثورة السورية مثالًا حيًا، سنرى حقَ اليقين بأنه لم  تبقَ جهة أو حزب أو تنظيم أو دولة أو قناة فضائية لم تساهم في التعبئة والتجييش، كلٌّ حسب غايات في نفسه، منها سامية تريد الخير والخلاص للجميع، ومنهم من يتربص بالدولة لأغراض إقليمية تحاول خلق الخلافات لتسهيل الهيمنة والتقسيم ومنهم من يكرس الأنا في حزبه ويريد أن يدخل العالم بأسره تحت هذه المظلة الضيقة الأفق فارغة المضمون، بالنتيجة نحن أمام فسيفساء من المشروعات، لا تلتقي في معظم الأحيان في نفس المصب، وطالما الخلاف والاختلاف بين التنظيمات والتشكيلات أخذ شكل صراع الأصوليات المذهبية والعلمانية والحزبية، فمن المستحيل بمكان وزمان جمعهم على هدف واحد وعلى طاولة تشاور وتحاور، إذ إن كل طرف يرى لنفسه الحق بالسيادة والريادة وما دونه الباطل المبين، ومن يملك رصاصة أو جندي يوظفه في هذه المعركة الأزلية، كيف لا والحوار حوار البنادق.

وحتى لو حققنا نوعًا من الوفاق بين الأطراف المتنازعة على شكل الحكم وامتداد الهيمنة، فهل ستسمح الدول الغربية والخليجية وإيران وروسيا بذلك دون أن تحصل على نصيبها من محاصصة النفوذ؟ أم أن التعبئة والتجييش وزرع الفتن هو رأس مالها الوحيد بغياب النفوذ العسكري لتلك الدول في تحقيق مبتغاها؟.

هل يوجد صندوق اقتراع عادل نزيه يقضي بالحق بين آلاف ممن يدَعون أن لهم الحق بالترشح والنجاح؟

هل من بوادر خير ونوايا حسنة بدرت من إحدى الدول الفاعلة والمؤثرة بالقرار الدولي لتجنيب سوريا الشكل العراقي أو اللبناني؟

لا شك أنه لا يمكن الوصول إلى اتفاق كامل شامل على كلمة سواء، لكن من الممكن الوصول إلى تقارب، والشرط غياب التعبئة والتجييش المعاكسين في خطوة أولية للتوحد نحو العمل الجماعي المنظم لصالح وحدة البلاد، وتجنيب البلاد التشتت والتحزب والولاء والتبعية للخارج وفوق هذا كله وقف نزيف الدماء واستنزاف الأرواح في رحى الصراعات الداخلية.

تابعنا على تويتر


Top