وراء الصور المسرّبة حقدٌ حتى النخاع

معتز مراد

راعَنَا منظر الجثث المعذبة والمنكّل بها بطريقة تفوق الوصف في مقرات التعذيب التابعة لنظام الأسد. فأكثر من خمسٍ وخمسين ألف صورة مسربة لأكثر من أحد عشر ألف سجين في سجون النظام، كلها تعرضت لتعذيبٍ ممنهج، وحشي سادي، تمّ بدمٍ باردٍ جدًا.

ربما ترتبك الصورة أمامنا ولا نستطيع أحيانًا أن نحدد سبب هذه الأفعال التي تنتمي لعالم الهولوكوست (القروسطي- النازي – الستاليني). فهل يسعى أصحاب هذه المذابح لأن يجعلوا من هذه الجثث عبرة لمن يعتبر، أم عذبوهم حتى يُدلوا باعترافاتٍ يريدونها، أم أنّ مجرد الحقد الأعمى على «شعبٍ أو مِلّةٍ أو طائفةٍ أو عرقٍ» أراد الخروج على سلطة الطاغية وحكم الفرد والحزب الواحد، هي سبب تلك الموبقات البشرية!

لو كان الغرض وراء تلك الجرائم سحب الاعترافات أو جعل أولئك السجناء عبرة للآخرين، لما تَستّرت تلك الأنظمة (في حالتنا هو نظام الأسد) عليها، ولما رأينا تجويع السجناء حتى الموت أسلوبًا ممنهجًا في التعذيب، ولما كان الكشف عنها بهذه الطريقة (تسريب الملف بشكل كامل لوكالات أخبار عالمية) يُعتبر سبقًا صحفيًّا كبيرًا وخطوة مهمة نحو سَوق المجرمين إلى محكمة الجنايات الدولية كمجرمي حرب.

من المؤكد أن الحالة التي يتمناها «الطاغية أو المستبد» من شعبه هي أن يبقى هذا الشعب يشعر تجاهه دومًا بالعرفان والجميل. ومن المهم أن يستمر هذا الشعب بالتسبيح بحمد جلاده، مع أنّ هذا الأخير جاء إلى السلطة رَغمًا عنه وغالبًا بقوة الحديد والنار. وبسبب يقين هذا الإنسان المستبد أن مصيره مهدد في كل لحظة بالزوال، لذلك يبني حوله منظومةً كاملة من أجهزة التنصت والمخابرات وفرق الموت. إلا أنه يطلب من الناس أن يحبوه ويردّدوا دومًا عبارات التضحية والفداء بحقه. ومع أن غالب هذه الأنظمة لا تبني وطنًا ولا تُعمّر حضارةً أو تُنَمّي اقتصادًا، وكل ما تبنيه يأتيها من مساعداتٍ وجمعياتٍ دولية وتفاهمات لها علاقة بالتابعية لمحور شرقي أو غربي، إلًا أنها أيضًا تُصدّر نفسها بأنّها بانيةَ الوطن وصروحه الشامخة.

وفي اللحظة التي يرفض فيها الناس هذه الخزعبلات ويكشفونها على حقيقتها، تنهار سمعة الدكتاتور، وتنهار معه جميع الكَذِبات التي حاول أن يروّجها خلال سنين حكمه، فيقرر أن ينتقم ويشفي غليله إلى أبعد مدى. وما تم تسريبه من صورٍ في الأيام الأخيرة، وما خفي في سجون نظام الأسد حتى اللحظة، لهو أكبر دليل على هذه الحقد الدفين والذي تجاوز النخاع.

تابعنا على تويتر


Top