جنيف2 نظرة عن كثب

عنب بلدي – العدد 104 – الأحد 16/2/2014

جنيف 2 نظرة عن كثب 2صعب هو إطلاق الحكم الجازم على آخر التطورات الميدانية والمستجدات السياسية التي دارت رحاها على الساحة الدولية والعالمية، فيما يخص الوضع السوري، وتوصيف نهايته.

يكتسب التحليل والحكم صعوبته من مأخذين اثنين: أولهما تضارب مصالح الدب الروسي مع النظام الأمريكي فيما يخص منطقة الشرق الأوسط، والتي تعد حلقة مفصلية هامة، يسعى كلا الطرفين للمحافظة على نفوذه مٌمكّنًا بها لأطول فترة ممكنة. والثاني تصدّر أمن إسرائيل (أوروبا الصغرى) كضابط لمصالح الدول الكبرى في المنطقة، والذي يبنى بموجبه أي قرار مصيري سيتخذ حيال الوضع السوري، أمميًا كان أو أمريكيًا.

إسرائيل التي تحاول أن تخفي وجودها تمامًا على الساحة السياسية، تسعى لإخفاء ضلوعها بالوقوف خلف المواقف السياسية الغربية تجاه الصراع الدائر، وتجتهد لئلا يصدر عنها أي تصريح سياسي رسمي تجاه أي من أطراف الصراع، على الرغم من أن أمنها واستقرار حدودها يعد المحرك الأساسي لسياسات الدول الكبرى، ويشكل الدافع الفعلي لاتخاذ أي قرار أممي أو أمريكي –على الأقل- يمتاز بالجدية.

بدلاً من ذلك، يمكننا كيل وإحصاء ما قد حققه كلا الطرفين سياسيًا في هذا الصراع، وبإلقائنا نظرة عن قرب على مؤتمر جنيف2 لتبيان الكفة الراجحة، نلحظ ما يلي:

تزامن مع وصول مؤتمر جنيف 2 إلى مشارف الأبواب قيام بعض وسائل الإعلام الأجنبية الرسمية بنشر وثائق مسربة لـ 55 ألف صورة تظهر الانتهاكات بحق المعتقلين في سجون النظام، ووثائق تحتوي على توثيق 11 ألف حالة إعدام ميداني داخل السجون وأقبية المخابرات السورية. لم يعلق النظام بأي رد على ذلك، ولكنه وبعد أيام ذهب وفدا النظام والمعارضة إلى جنيف2 وفي جعبة كل منهما الكثير مما أعدوه من وثائق ومعطيات يسعى كل طرف جاهدًا ليدين بها الطرف الآخر، ويؤجج بها الرأي العالمي والمجتمع الدولي ضده.

استهل النظام السوري خطاباته ونقاشاته على امتداد الجلسات بالشعارات الوطنية، وأهمية مكافحة الإرهاب، حاملاً معه داعش كفزاعة يلوح بها في وجوه الغرب الذي ذاق التجربة المريرة مع المتطرفين في كل من العراق وأفغانستان، كلما طرحوا خيار الهيئة الانتقالية كحل للأزمة. ترافق ذلك مع كَيل الاتهامات المضللة للمعارضة في انتهاكات مزعومة وارتكاب جرائم قتل طائفي ممنهج، في خطوة لتحويل سياق الساحة السياسية من الدفاع إلى الهجوم.

على الجانب الآخر من الطاولة اختار الوفد المعارض خطاباته بعناية ودقة على امتداد الجلسات والنقاشات واللقاءات ضمن المؤتمر، بحيث لبى طموحات الكثير من أبناء الشعب السوري وبغالب أطيافه، بما في ذلك عوائل الشهداء، وسلط الضوء على مسألة المعتقلين والانتهاكات بحقهم وعلى الناشطين السلميين أمثال غياث مطر، ومشعل تمو. وكشف الستار عن تنظيم «داعش» كصنيعة للنظام، وعامل يهدف لتشويه صورة الثورة السورية، وقد أثنى على أدائه الكثير من المعارضين.

بعد مضي أكثر من ثلاثة أسابيع على بداية جنيف2، يرى المتابع أن الوفد المفاوض، رغم ضعف خبرة أعضائه السياسية وقلة تجاربهم في المواقف المفصلية، قد حقق تقدمًا ملحوظًا، ونجاحًا يتناسب مع المرحلة وإمكانيات المعارضة، وتمثل ذلك في إبراز الوجه الحقيقي لثورة الكرامة وأبنائها، بعيدًا عن كل الرتوش والثانويات، كثورة حقيقية لشعب لم ينتفض من أجل شارع غير معبد أو لأجل متطلبات معيشية أو رفاهيات ثانوية، بل ثار من أجل كرامة وحرية وتمدن مفقود.

جنيف2، حدثٌ هام ارتقت عبره الثورة السورية إلى صورة ومستوى سياسي أكثر إيجابية، ما دفع بالروس إلى استدعاء وفدها للتحادث في موسكو، في خطوة يراها البعض مد يد لرسم ملامح الكيان الذي سيكون في المرحلة التي تلي حكم الأسد، والتي أضحت روسيا، سيما بغياب أي تصريح رسمي لها في الآونة الأخيرة، تفكر وتنظر إلى ما بعده.

 

تابعنا على تويتر


Top