الحراك الثوري والمجتمع الدولي … إلى أين ؟

-بلدي-العدد-السابع-عشر-الأحد-27-أيار-2012.pdf-Page-6-image-1.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 17 – الأحد – 27-5-2012

في ظل ما نشاهده من تناقضات كثيرة مثيرة للإحباط هذه الأيام، وفي ظل الحملة الإقليمية والدولية على الحراك الثوري في سوريا والمتمثلة بالصمت أو بالنقد السلبي، آن لنا أن نضع تصورات عقلانية منطقية لما يدور حولنا ولما يجب علينا فعله.

فالتمسك بأمل وهمي قد تبثه هنا وهناك جهات دولية عبر تصريحات أوعقوبات لا تغني ولا تسمن من جوع، أو بعثات لا أحد يعلم ماهية مهامها الحقيقية وأبعادها السياسية والمستقبلية، أو عبر إشاعات قد تهدف إلى نشر حمى الانتصارات الوهمية أو سرقة التمويل الذي يجب أن يخصص للمنكوبين من أهلنا المشردين في شتى البقاع السورية، والذي يخرج على لسان مكونات مغفّلة أو مخترقة أو مستغِّلة من الجيش الحر، والتي نأمل ألا تتجاوز نطاق الأفراد والمجموعات الصغيرة، هذا التمسك بالأمل والمصحوب بالاستسلام القائل بالانتظار داخل البيوت أو بتشجيع الجيش الحر عبر الكلام، والانجرار وراء النزعات الغير وطنية، لن يفيد الثورة بشيء وربما قد يحبطها، والجميع يعلم هنا أننا قد عانينا الأمرّين خلال الأربع عشر شهرًا السابقة وقدمنا الغالي والرخيص في سبيل الحرية التي لن نتراجع عن مطلبها، وعن المستقبل الأفضل الذي سيعوضنا عما فقدناه خلال أربعين سنة مضت من الرجعية والاستبداد، فلا يوجد هنا أي مبرر للانسياق وراءها والاستغناء عن التصعيد الثوري الكفيل الوحيد لنجاح ثورتنا.
أما عن هذا الصمت الدولي المجحف بحق الإنسانية، هل هو نتيجة صراعات دولية لم تحسم بعد، أم أنه تواطؤ فعلي للحفاظ على مصالح الجميع، الولايات المتحدة وحلفائها بما يخص أمن إسرائيل، وروسيا من ناحية أخرى والتي قد تعتبر سوريا مجالًا حيويًا لها مرتبطًا بأمنها القومي.
فنحن الذين نعاني على الأرض لم نشعر بأي نتيجة تذكر لما يسمى بالتحرك الدولي لمساندة الشعب السوري. إن ما يباع هو التصريحات فقط والتي تحسب علينا دون أن نستفيد منها شيئًا. ونعلم في الواقع أن بإمكان أي دولة قد أقدمت على ذلك أن تتراجع عنه خلال ساعات ليعود كل شيء إلى سابق عهده، دون أي مشكلة لدى النظام السوري الذي سيكون ممتنًا ضمنيًا لذلك، في حال استطاع قمع الثورة أو اقترب من حسمها لا قدر الله، كما حصل في عمليات سحب السفراء ثم إعادتهم. إنّ هذه التصريحات والأفعال لا ترقى لما يطلبه ثوار الشارع، وإنما هي مجرد حجز كرسي في الجانب المخصص لمشجعي الثورة، بحيث يضمن لهم استعطاف وتفاعل الشعب السوري لاحقًا عند انتصاره، وبذلك يتجنب الغرب التصادم مع الرأي العام العربي الداعم والمساند للثورة، وهذا حتى الآن لا يمكن تسميته ركوب الموجة، ولايمكن مقارنته بما حصل في بداية الثورة الليبية عندما خرج وزير خارجية ساركوزي ليحشد الدعم ضد نظام القذافي، أو بموقف الولايات المتحدة عندما رمت بحليفها وصديقها المقرب مبارك سريعًا لكسب الشارع الثوري.
ومن ناحية أخرى وفي الوقت الذي دفعت فيه الثورة خمسة عشر ألف شهيد، لازال يخرج علينا راسموسن لينفي إمكانية قيام حلف الناتو بأي عمل عسكري في سوريا ولو كان لتأمين ممرات إنسانية ومناطق عازلة، كانت ستساهم في الحفاظ على حياة عشرات آلاف السوريين لاحقًا. والبعثة الأممية الملحقة بخطة كوفي عنان والتي يسعى العديد للالتفاف عليها نحو البند السادس مباشرة، والانحياز الواضح لبعثة المراقبين لصالح النظام على عكس المفترض بهم والداعي لتوخي الحيادية بنقل صورة واضحة عما يجري على الأرض. يخرج الجنرال مود ليشكر ويؤكد على أن قوات النظام هي من تقوم بعملية تأمين الحماية لأفراد البعثة، وهذا عكس ما رآه الجميع، ويهدف هذا التصريح للإيحاء بأن الجيش الحر مجرد مجموعات مسلحة. ومرة أخرى في التصريح الذي تلا استهداف الموكب في درعا حيث لم يتأكد مسئولو البعثة من هي الجهة المنفذة ومن هو المستهدف، ومجزرة خان شيخون التي حصلت أيضًا أمام أعين المراقبين وما لحقها من المتحدث باسم عمليات حفظ السلام، حيث صرح أنه من المبكر القول أي جهة تقف وراء هذا الحادث، والصمت الذي تلا عمليات الاعتقال والضرب المبرح الذي تعرض له طلاب جامعة حلب، والذي عرضت منه مقاطع فيديو صورت من داخل سيارة أحد المراقبين. في المقابل نجد الاستنكارات والاستهجانات التي تفتعلها الدول والهيئات إثر أي تفجير يحصل كما في تفجير القزاز، وكأن الذين يقضون في هذه الحوادث بشر، والأربعين الذين يذبحون يوميًا من نساء وأطفال وشباب هم من غير هذه الطينة. ها نحن نشاهد واحدًا وعشرين مدنيًا قتلوا بدم بارد في الشماس بينهم خمسة أشخاص أعدموا ميدانيًا أمام أعين أهلهم وجيرانهم، وها هي مجزرة صوران التي ذهب ضحيتها حوالي ثلاثين شهيدًا، ولا نزال نعيش صدمة مجزرة الحولة التي لم يتبين حتى الآن عدد ضحاياها الذين قضوا تحت القصف وذبحًا بالسلاح الأبيض وهذه المجازر وغيرها حدثت فقط بعد تفجير القزاز!!، وهناك بالتأكيد مئات المجازر الأخرى السابقة. إن التكتم على ما يحصل حقيقة في سوريا يحتاج حقًا إلى ضجة تشتت الانتباه يصنعا النظام حاليًا في الحديث عن التفجيرات الإرهابية والقاعدة والمجموعات المسلحة.
ومع كل نصر مؤقت للجيش النظامي أو انعدام أفق الحل للقضية السورية، نلاحظ ابتعاد الدول الغربية حتى عن التصريحات المعنوية. ومن جانب آخر يقابلها الروس بطرح إعلامي متناقض، مصحوب بفعل عملي ثابت هو دعم النظام بكل المستطاع، وهذا الطرح الإعلامي يكون تارة بازدراء المعارضة الخارجية وإلقاء اللائمة عليها وعلى الدول المطالبة برحيل الأسد، وتارة أخرى بتصريحات أخرى محاولين إثبات عدم انحيازهم الكامل للنظام فيدعمون الحل السياسي وخطة عنان ببندها التفاوضي السادس، وهو شيء غريب بحد ذاته، ليعودوا لاحقا لجانب النظام ورمي المعارضة بالاتهامات ووصمها بالإرهابية.
ماذا نستنتج من كل ما سبق؟
هل لعبة شد الحبال سببها مكاسب يتم التفاوض عليها بين القوى الدولية المتنازعة، والتي ترى في سوريا دولة ذات أهمية إقليمية بالغة ستغيّر بتغير نظامها الخريطة الجيوستراتيجية والتوازنات الدولية، على أمل الحفاظ على هذه التوازنات بشكل جديد يحافظ على مصالح الأطراف كافة، وإن كان هذا ما يحصل فإلى متى وعلى حساب من يتم؟ أم أن هنالك رغبة إلى إبقاء التوازنات القديمة بدعم بقاء النظام وهذا ما يريح القوى الدولية من تباحث الصفقات ووضع الخطط والمخاطرة بحد ذاتها والتي قد تفضي بنتائج سلبية على المدى البعيد.
لقد أصبحنا أمام خيارين، إما التواطؤ وإما وجود نية فعلية لإسقاط النظام لا تزال مصحوبة إلى الآن بمخاوف من البديل أو الفوضى المحتمل نشوبها في المنطقة. وفي ظل مجازر النظام وحملات الإبادة الجماعية التي يقوم بها ضد الشعب الأعزل، نجد أنه لا خيار لدينا سوى الاعتماد -بعد الله- على الذات فقط، والتصعيد الثوري المستمر بشكليه السلمي والمسلح والذي يعتبر الكافل الوحيد لنصرنا والمحرض الأوحد للمجتمع الدولي برفع الغطاء عن النظام، والاستمرار بكسب التأييد الشعبي العربي والعالمي، مع التأكيد بأن النصر سيكون نتيجة تضحياتنا الذاتية، فالدول الكبرى كالولايات المتحدة ليست جمعيات خيرية، والسياسيونن «المعارضون» قد يحولون مسار الثورة بعيدًا عن أهدافها الضامنة للسيادة الشعبية الثورية المستقلة، فبعض هؤلاء هم مجرد تجار، وما أكثر تجار السياسة وباعة المواقف.
علينا أن نتمتع بالنظرة الواقعية للأحداث ونبني تصوراتنا وتحليلاتنا بالطرق الموضوعية والعقلانية، وأن نبتعد عن الوهم الذي سيؤدي لاحقًا إلى الإحباط والانكسار عند وضوح الحقيقة، علينا ألا نكتفي بدعم الجيش الحر كلاميًا، بل بكل الوسائل الممكنة، لأنه درعنا الأوحد في وجه آلة القتل. علينا ألّا نتستر على الأخطاء التي ترتكب هنا وهناك من قبل أية جهة كانت وتحت أي اعتبار، لأن بعض الأخطاء التي تعتبر صغيرة الآن قد يكون لها نتائج كارثية في المستقبل. علينا اعتماد ثقافة المراقبة والمحاسبة وتصحيح المسار، علينا مراجعة ذواتنا وتجديد الآليات والوسائل النضالية، علينا الحفاظ على قيمة الثورة وكليّتها، كونها وليدة جهد جماعي وليس حزب أو طرف أو جماعة، وعلينا أخيرًا الانفتاح على الذات ثم على الآخر وتناسي المشكلات والاختلافات الأيديولوجية والنزاعات الطائفية والعرقية والعشائرية لصالح الهدف الأوحد الذي لن يعيننا أحد عليه سوى أنفسنا.

تابعنا على تويتر


Top