كن حرًا حتى في السجن

7oriyah.jpg

عنب بلدي – العدد 113 ـ الأحد20/4/2014

7oriyahمحمد جمال الدين

أن تكون معتقلاً، لا يتعارض مع كونك حرًا، فالحرية هي أن تتشبث بالمبدأ والعقيدة ولو كنت محكمًا بألف قيد، وأنت حرٌّ طالما التزمت بها، وإلا فأنت أسير لرعونات قد آثرت الرخص الزائفة على العزائم.

قصتي طويلة، كطول أي صراع بين الحق والباطل، اقتطعت منها موقفًا بسيطًا لأسلط الضوء من خلاله على ابتلاءٍ في السجون لا يعتقد بوجوده البعض، ولا يحسب لأجله حسابًا، ما كانت تلك الأقبية لتعج بالشباب والنساء إلا لردهم عن الإيمان به، ولدفعهم نحو التخلي عنه.

في منتصف عام 2013 كنت على موعد مع شيء من كلامي أعلاه.

المخابرات الجوية:

شهور تأتي وأخرى تنقضي، وبقدوم هذه وانقضاء تلك، بدأ الأسرى المحتجزون في صالة المزة يعتادون شيئًا فشيئًا رؤية ذلك الشاب الواقف فوق الماء الموحل الأسود طوال النهار، يستيقظ المردة كل يوم فينادونه، فيمشي إليهم متثاقلاً قد أثقلت كاهله الجراح وأبطأ بسيره علمُه بمصيره بعد تلك المناداة.

دقائق قليلة… تعلو فيها الأصوات ويشتد فيها الصراخ ويعود إلى مكانه بعد أن يرجع مكتسيًا باللون الأحمر. كان الموقف يتكرر كل نهار، حتى حفظ المشهد واعتاد حدوثه كل الأسرى المحتجزون.

ما قصة ذلك الشاب؟

يسألها أحدهم للآخر! فيومئ الآخر بالنَّفْي وعدم الإحاطة والعلم، ويشيح النظر نحو الأيمن منه، يستفسر أيضًا، فيكون الجواب بالمثل. بعض الأسرى يحنون عليه، ويحبس دمعةً في جفن العين، ولا يملك إلا أن يسأل مولاه عنه التخفيف، والبعض الآخر يمقت هيئته وشكله، فقد تورم وجهه لكثرة ما نادوه في كل صباح.

لم يدر بقصته أحد حتى أفرج عنه وخرج طليقًا يخبركم خبره. إذ بدأ الأمر في جنح الليل.. طلبه السجانة للخارج وأغروه ببعض الإنعام، كي يتعاون معهم ويسائل الأسرى من أبناء مدينته (داريا) عن أسرار الثورة والثوار.

اختصوني بتلك المهمة إذ ظنوا أنني محبوب بين الأسرى، وأنني أضعف من أن أرفض. كانت إحدى أيديهم تحمل سوطًا وبالأخرى فاكهة يغروني فيها بالإكرام.

لم يكن أمامي إلا أن أختار.. إما أن أنصاع وأخون الله وأخون المبدأ، وإما أن أرفض وسأتلقى تعذيبًا وقد أحظى بموت.

نظراتهم وكلامهم وأصواتهم الشريرة الحاقدة كانت تضفي على الموقف رعبًا وتُغيب العقل عن المشهد، وتدفع بالعاطفة لتتحدث.. النفس تحار.. إما صبر يعقبه جنة، وإما زلة تعقبها نار.

وتتسارع الأنفاس ويمتقع اللون، والسجان ينتظر الجواب. وكان أن أنطقني الله بأمر ما، لم أدر لماذا، لكن كان لحكمة.

قلت لهم: حسنًا ما المهمة الموكلة إلي؟ ويرسم المارد على وجهه ابتسامة المنتصر المتكبر، ويبتسم الشيطان لذلك أيضًا.. لم أره، لكنني أحسست بذلك.

ويخبرني السجان الخبر.. وعدتهم أن آتيهم في اليوم التالي، وقد بيَّتُّ بنفسي أمرًا، أردت أن أنجي ذاك المسكين والذي أمروني بمساءلته، لأني إن رفضت الأمر فسيبعثون لمساءلته غيري، ولعله يخدعه فيحظى منه ببعض الأخبار.

ذهبت إليه: وأخبرته القصة فارتاع لوضوحي وارتجف من الخوف. طمأنته بعض الشيء، واتفقت معه على بضع كلمات كان قد أدلى بها في تحقيقه، أنقلها للسجان على لسانه، وننجو سويًا.

كانت عيون المردة ترقبني وتسمع كلامي حرفًا حرفًا.. لم أدر بذلك، لكني علمته بعد قليل.. ساعات عدة، وبعدها طلبوني لملاقاة والي الشيطان.. رُحْتُ إليه، فنظر بعيون يملأها الحقد وقال: هات الخبر! أخبرته ما أملك وبحزم بادٍ على وجهي، أرجو فيه أن ينتهي الأمر وأنجو وينجو المسكين.

هز رأسه نحو الأسفل ثم أتبعه بقوله بصوت شيطاني مرعب: ستكون الأيام الآتية عليك جحيمًا لا ينسى.. وشتم المولى مرات عدة. أيقنت معها أنه قد عرف الأمر وافتُضح السرُّ.

كل الأسرى الذين احتجزوا في الصالة كانوا يذكرون كيف أنهم استيقظوا ذات صباح، وإذ بشاب يعرفونه جيدًا، يدخل عليهم الباب مدمىً من رأسه وحتى أخمص قدميه. أمروه أن يقف بعدها طوال النهار ولمدة اثنتي عشرة ساعة دونما جلوس فوق الماء الوسخ واستمر بذاك لستة شهور، لا ينام إلا على تلك المياه السوداء، إن منَّ عليه المردة أو سمحوا له بالنوم.

حتى نطق القدر كلمته وأذن المولى بأمره، وشاء له الله في الخروج من سجنه ليخبر العالم عن تجربته مع نظام أدار ظهره لليهود، والتفت ليفرغ أفئدة وعقول أبناء شعبه ما تحتويها من عقيدة ومبدأ وأخلاق وإنسانية، ويسعى معها جاهدًا لجعل أبناء شعبه سكاكين يطعن كلٌّ منهم في ظهر الآخر.

تابعنا على تويتر


Top