الطريق إلى الجحيم … ما بين «كامبات» بلغاريا وسجون اليونان، أعمار السوريين تضيع هباءً منثورًا

.jpg

لمى الديراني

لجأ السوريون منذ تأزم الأوضاع داخل سوريا للهرب خارج البلاد خوفًا من القصف أو الاعتقال أو سعيًا لحياة «آمنة ومستقرة». وتطلعت كل العيون إلى «أوروبا» التي كانت العالم المثالي لأحلامهم المتكسرة. هناك حيث المعاملة الإنسانية واللجوء وأخذ الجنسية «بغمضة عين»، كما صور المهربون لكثيرين طريق الوصول إلى «بلاد النعيم». ولأن المهربين لم يكن دورهم إلا أن «يصنعوا من البحر طحينة» للاجئين الذين ضاقت بهم الدنيا بما رحبت، جعلوا من الهاربين مصدر رزق يدر عليهم بالربح الكثير طالما كان رأس مالهم مأساة البشر والاتجار بأرواحهم وآلامهم.

  • أول الطريق «حنجلة»

أنس أبو مالك، انشق عن جيش النظام والتحق بصفوف الجيش الحر في مدينته إلى أن أصيب لأكثر من مرة، فأقنعه أحد أقربائه الموجودين في ألمانيا بالهروب إلى هناك لتلقي العلاج. وكان أول الطريق الخروج إلى تركيا ومنها انطلق إلى بلغاريا بواسطة مهرب، لينتهي به الطريق سجينًا في مخيمات بلغاريا «اللاإنسانية» ويمضي من عمره أكثر من ستة أشهر حبيس الغرباء.

ويقول: «بعد وصول الثورة السورية إلى ما وصلت عليه ويأس غالبية الناس من نهاية قريبة لسفك الدماء، بات هدفهم الهجرة لأوروبا من أجل حياة أفضل. توجهت إلى مدينة أدرنا التركية، قبل الانتقال إلى اليونان، ولكن بسبب التشديد الكبير على الحدود توجهت إلى بلغاريا سيرًا في الغابات، الذي يستمر الطريق فيها بين 3-5 أيام حسب سرعة المسير ووجود أطفال أو كبار سن ضمن المجموعة، وقد حدثت عدة حالات وفاة بين كبار السن قبل الوصول إلى بلغاريا. إحدى المسنات دفنت في الغابة بينما وصلت أخرى منهكة وأسلمت روحها وهي بين يدي الشرطة البلغارية».

كان أنس محظوظًا لأن قريبه الذي تكفل بخروجه دفع له للصعود في سيارة مع عائلة عراقية مهاجرة حتى وصل الحدود البلغارية، وكان عليهم قطع الحدود ركضًا إلى الجهة المقابلة. وكان بانتظارهم «فان» أقلهم إلى بلوفديف ليجد في انتظاره شاب، ليخرجه إلى قرية أخرى بقي فيها حوالي الشهر، وكان قد رتب له السفر بالطائرة إلى ألمانيا، لكن مساعي المهرب لم تفلح. وتم تأمين هوية بلغارية مزورة ليتوجه إلى الحدود الرومانية ليشتبه به أحد رجال الشرطة وينزله للتحقيق وتبدأ حكاية دخوله للمعتقلات البلغارية.

  • حالة السجون يرثى لها وأطفال ونساء وشيوخ ضمن «المساجين».

انتقل أنس وعائلة سورية أخرى تم إيقافها إلى سجن مكون من ثلاث زنازين. ويتابع: «بعد ساعتين استدعيت للتحقيق بعد أن أصريت على أنني لست سوريًا وتابعت حديثي بالإنكليزية مدعيًا أنني بلغاري من أصل تركي. بعد ساعتين استدعيت مجددًا وبدأ التحقيق معي عندها استسلمت وكتبت اسمي الحقيقي. قامت الشرطة البلغارية باستدعاء مترجم سوري واستمر التحقيق لثلاث ساعات عن دراستي وعملي وديني ومدينتي وتوجهي السياسي، وكانت تساورني الشكوك بالمترجم بأنه يتلاعب بأجوبتي. أعادوني لزنزانتي مع القليل من الطعام ثم أعادوني للتحقيق مرة ثالثة، عندها قاموا بتصويري وأخذ بصماتي وإعادتي للزنزانة».

في الزنزانة «القذرة» حسب وصف أبو مالك، كان هناك عائلات ومعها أطفال صغار، ثم أتت الشرطة وأخرجت بعض الشباب، ومنهم والد الأطفال، فصاروا يبكون ويصرخون مع والدتهم. وبعدها أخرجته الشرطة فجرًا إلى سجن «فيدن» واستدعي للمحاكمة بتهمة العبور غير الشرعي وفي نهاية المحاكمة علم بأنه تم إخلاء سبيله مع الانتظار لانتهاء العطلة لمدة يومين، إلا أن احتجازه استمر 57 يومًا لم يتنفس فيها هواءً نظيفًا ولم ير شمسًا. يقول أنس: «اكتشفت بعدها أن كلمة «يومين وبتطلع» كانت «حقارة» من المترجم ليبتز المساجين ويأخذ منهم أموالهم بحجة أنه يقوم بواسطات لإخراجهم. وكان النظام القانوني يفرض عقوبة السجن لمدة 55 يومًا لحاملي الأوراق المزورة. ثم أخلي سبيلي لأحال إلى سجن آخر وهو سجن البوسمانسي لأقضي فيه ثلاثة أشهر أخرى».

في السجن يتم تقديم ثلاث وجبات يوميًا، إلا أنها لا تؤكل في معظم الأحيان، بحسب وصف أنس، ويوجد طبيب لا يقدم شيئًا للمساجين إلا إبرة مسكن، وحجته أن إصاباتهم أو أمراضهم تفوق قدرته وبحاجة لمشفى. وانتهت رحلة أنس في مخيم «باسترغور» بانتظار ما ستؤول إليه حاله وهو هناك وحيد لا مال ولا أهل ولا معين، يأكل حين يكون معه بعض من نقود أو حين «يحنّ» عليه أحد فيطعمه.

  • تهديد للأمن القومي

وحتى اعتقال السوريين في بلغاريا كان له أنواع متعددة، أسوأها أن يكتشف البلغاريون أنك كنت مقاتلًا في صفوف المعارضة، عندها تختفي في سجونهم ولا أحد يعلم مكانك بحجة تهديد الأمن القومي، ثلاثة ممن كانوا في السجن مع أنس أخرجوا إلى سجن آخر لأنهم حملوا السلاح يومًا، ولم يعلم أحد بمكانهم ولا مصيرهم. وأضاف: «السفارة السورية تعمل يدًا بيد مع الشرطة البلغارية في اصطياد المعارضين هناك»

  • تركيا، نقطة الانطلاق نحو المجهول

على الحدود الأخرى، وفي اليونان، مآسٍ لا تنتهي بغرق المسافرين في البحر أو بزجهم في السجون اليونانية في رحلة بحثهم عن دولة أخرى تستقبلهم كلاجئي حرب. خالد ش. هرب أيضًا من شبح الاعتقال بعد موجة الاعتقالات التي شنتها قوات النظام انتقامًا من مدينته الثائرة، فخرج إلى لبنان وغادرها بعد 6 أشهر نتيجة المعاملة السيئة للسوريين هناك، وذهب إلى الأردن وخرج منها لذات الأسباب متوجهًا إلى أوروبا فكان أن تجسد خوفه سجنًا آخر من نوع وطعم آخر.

قام خالد بمساعدة صديقه بالتنسيق مع مهرب وخرج إلى تركيا ثم إلى اليونان عن طريق البر ومن بعدها قطع الحدود بقارب مطاطي صغير مع ثلاثة آخرين والمهرب. ووصلوا الضفة اليونانية بعد 25 دقيقة وبقوا هناك حتى مغادرة حرس الحدود اليوناني مساءً. وبدأت رحلة المسير لمدة ساعتين حتى وصلوا أول قرية هناك وبقي فيها خالد للصباح وغادرها إلى مركز المنطقة ومنها إلى مدينة أخرى إلى محطة قطار ليصل أخيرًا إلى أثينا في منتصف الليل.

  • المهربون يبتزون أموال الهاربين «عالطالعة والنازلة»

يقول خالد: «كلفني خروجي إلى اليونان 2300 يورو، وعند وصولي أخذني المهرب إلى منزله ولم يسمح لي بمغادرته إلا حين وصله تأكيد في اليوم التالي بأن قريبه في تركيا استلم النقود كاملة. وبعدها حاولت مرات عديدة السفر بالطائرة لكن لم أفلح ولم أجن سوى صرف نقودي».

يضيف خالد: «قمت بثلاث محاولات للسفر عبر المطار وفي كل مرة أدفع حوالي 500 يورو للتذكرة والهوية المزورة وتشتبه الشرطة بي على باب الطائرة ويتم نقلي للتحقيق ثم أغادر المطار، وقد تركت حقيبتي بما فيها من ممتلكاتي الشخصية تغادر مع الطائرة. وفي المرة الثالثة سجنت في سجن المطار ثم أحضروا لي مترجمًا وأخذوني للمحاكمة في اليوم التالي، وأخبرني المترجم بأن مشكلتي كبيرة وعليّ توكيل محام بأجرة 800 يورو، فوافقت لأنه لا حل لدي، بشرط أن يخرجني فورًا من السجن. وقمت بتوكيل محام فحكم عليّ بالسجن لمدة 6 أشهر مع التنفيذ بتهمة الدخول إلى البلاد بطريقة غير شرعية والتزوير. وانتقلت من سجن لآخر حتى وصلت إلى سجن لأكتشف أن كل من فيه تجار مخدرات، ثم نقلت إلى سجن آخر كل من فيه محكومون بالسجن المؤبد، وبقيت فيه مدة شهرين ونصف حتى صدر عفو عام وطردت من اليونان لأذهب إلى إيطاليا وأسجن فيها ثم أغادرها إلى النمسا فألمانيا، وخلال رحلتي إلى ألمانيا سجنت في السجون الإيطالية عدة أيام قبل وصولي إلى وجهتي الأخيرة».

وهكذا تمتد مآسي السوريين إلى ما وراء البحار بحثًا عن ملاذ آمن في بلاد «الغرب» لكنها تنتهي في معظم الأحيان في السجون بعد أن يفقدوا كل أموالهم بحثًا عن مهربين وبعد محاولات عديدة تنتهي بهم في سجون بلغاريا أو اليونان أو غيرها، ولم يقدم الائتلاف ولا الحكومة المؤقتة على ااتخاذ تدابير لحل هذه المعضلة التي تنتهي إما بالغرق أو بالسجن وقلما تكون النهايات «سعيدة»، والخاسر الأكبر سوريا التي تستنزف أبناءها حيث حلوا.

تابعنا على تويتر


Top