الله أكبر.. شراب سائغ للمتظاهرين، وملح أجاج للطغاة

يحاول أهالي داريا وعشيّة كل نهارٍ دامٍ أو مصبوغ بذكريات مؤلمة، أن يخرجوا إلى الشوارع والشرفات، وحتى الأبنية العالية والحارات، وقد تحرّرت حبالهم الصوتيّة من الخوف، فتنساب أصوات التكبير بليونة، بعد أن تدغدغ حناجرهم، وفي مرات عدة تودّعها، إذ تكون الكلمات الأخيرة التي تبوح بها تلك الأفواه.

حتى أنهم يعتبرون «الله أكبر» وصفة علاجية، فإذا بها تكون بلسمًا لجراح المتظاهرين، وملحًا أجاجًا للطاغية وأزلامه، ويتمنى المؤمنون بهذه الكلمات أن تُباع في الصيدليات، فيتجرع بلسمها كل عليل، علّها تكون ترياقًا يقوّي عزيمته، ويشحذ همّته، والمشهد الملفت للنظر، والذي يحدث في داريا، في حملة التكبير المسائية، إذ ما إن تدق الساعة الحادية عشر مساء، حتى تعانق أصوات التكبير السماء، وكلما علا التكبير أكثر ازداد دوي الرصاص والتفجيرات، إذ باتت مهمة قوى الأمن في سوريا أن تلاحق أصوات التكبير، وأن تقتلع الحناجر المتحررة، وكذا أن تدوس على أزهار الأحرار وورودهم، فلم يعد همهم -كما يزعمون- ملاحقة العصابات المسلحة، فالكلمة والوردة استطاعتا الصمود بوجه سلاح الطاغية، فأراد أن يبعثر حروف الكلمات، ويدوس بقدمه الوحشية تلكم الأزهار.

وتزف داريا في مساءاتها الروحانية هذي شهداءها الثلاثة «طاهر اللحام، نزار قنوع، عبد القادر الكشك، في يومي 29-30 أيار، لتُلخص حياة هؤلاء الشهداء بين كلمتي «الله أكبر» إذ أول عبارة نُطقت في آذانهم وهم حديثو ولادة «الله أكبر»، وآخر كلمة نطقوا بها في آذان البشرية جمعاء «الله أكبر»، ليقضوا بين هاتين الكلمتين سني عمرهم لإعلاء كلمة الحق -كما يقول أصدقاؤهم-.

ربما تأبى الإنسانية أن تصدّق مثل هذه القصة، فهل يمكن لكيان دولة أن يتزلزل ببضع كلمات، فتتحرك آلياتها ومدفعياتها، وتجنّد عناصرها لقتل كل من ينطق بمثل هذه الحروف، بل ويعتبرون جريمته لا تغتفر، ويجب إقامة الحد مباشرة على من يقول «الله أكبر»، وقتله فورًا.

بيد أن النظام قد أدرك مفعول هذه الدواء، وهذه الوصفة الربانية، إذ تحوّلت مساءات داريا إلى جلسات صفاء، وخلوة مع الباري، وأصبحت تحية السلام بين الجيران «الله أكبر»، يتبادلون الأخبار وتوقعاتهم لما بعد الثورة، بل وحتى خرائط طريق رسموها في مخيلاتهم، يتبادلونها فيما بينهم، علهم يصلون إلى خارطة واحدة تمثّل آراءهم، وتُخرجهم من هذه القوقعة التي زجّهم بها النظام بوحشيته.

والمعجز أنه حتى حروف هذه العبارة «الله أكبر» قد اختيرت بعناية ربانية من حروف الهجاء العربية، إذ جمعت أكثر من حرف مستوً استواء معناها، واستواء المقصود منها، فالكل يتضرع ويُخرجها من أعماقه، كل حسب حاجته، فالله أكبر على من اعتقل أبناءنا وقتل شبابنا، ورمّل نساءنا، ويتّم أطفالنا، بل وارتكب أبشع المجازر بحق هؤلاء الأطفال، الله أكبر على من شرّد أحبابنا، وأبعد أصدقاءنا، فالله أكبر على كل من طغى وتجبر.

«الله أكبر» حبل سري يصل عبيدًا في الأرض بحاكم عدل في السماء، يتقبّل عنهم أحسن ما عملوا، ويتجاوز عن سيئاتهم، لا كحاكم أرضهم الظالم الذي ينسب لهم كل قبيح، ويغض طرفه عن حسن صنيعهم.

«الله أكبر» ذبذبات صادقة خرجت من أفواه تطلب الحقيقة، وأكف مفتوحة تتضرّع لرب الحق، عساه يستجيب ويعيدها طاقة ننفثها في أيامنا التي كساها الظلم، ونمسح بها وجوهنا التي اعتراها التهاون، وطلب العون من العباد،علّ نور الحق يرتدّ لأبصارنا، وتدرك بصيرتنا أنه لا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه.

تابعنا على تويتر


Top