رحلة الموت.. إتجار بالبشر وانتحار جماعي (هجرة السوريين بحرًا بشهادة أصحابها)

image130.jpg

محمد حسام حلمي – عنب بلدي

انتشرت مؤخرًا بين اللاجئين السوريين ظاهرة الهجرة غير الشرعية إلى البلدان الأوربية من شواطئ البحر المتوسط، بواسطة سماسرة ومهربين، لكن الرحلات البحرية هذه تحمل الكثير من المخاطر واحتمالات الموت غرقًا، كما أن تكلفتها مرتفعة جدًا، إلا أن المهاجرين ما زالوا متمسكين بهذه الطريقة بحثًا عن حياة أفضل من مناطق اللجوء.

تائهون في عرض البحر

حامد، شاب سوري نجا من غرق مركب للهجرة غير الشرعية قرب الشواطئ الإيطالية يوم الأحد 20 تموز الجاري، بعد تحطم المركب الخشبي الذي انطلق من الشواطئ الليبية الجمعة.

لا يعرف حامد عدد الذين ماتوا غرقًا، “لأن خفر السواحل الإيطالية أخذت السفينة إلى جانب آخر، وانتشلت الجثث منها”، ولذلك أيضًا لا يوجد إحصائية دقيقة لعدد السوريين القتلى في عرض البحر منذ رواج ظاهرة “تهريب السوريين” من شواطئ البحر المتوسط، إلى المياه الإقليمية الأوروبية.

انطلقت السفينة التي يبلغ طولها 20 مترًا من السواحل الليبية بمدينة زوارة، وكانت تحمل على متنها 730 شخصًا من جنسيات مختلفة، وبحسب حامد فقد “وُضع أشخاص من جنسيات إفريقية في الطابق السفلي للسفينة، ومنعوا من الصعود إلى ظهرها من قبل عددٍ من التونسيين في محاولة لتحقيق توازن في السفينة عبر زيادة حمولتها من الأسفل”، مشيرًا إلى أن “عددًا من الأفارقة قتلوا خلال تصادمهم مع التونسيين ومحاولاتهم الخروج”.

وقد استغرقت الرحلة 23 ساعة للوصول إلى المياه الإقليمية الإيطالية، بعدها قام المهربون بالاتصال بخفر السواحل الإيطالي لإنقاذ الركاب، ليستغرق ذلك 7 ساعات أخرى.

لكن بعض الرحلات تستغرق أيامًا، على غرار ما حصل مع عائلة شفيق أبو مصعب الذي أفاد أن “رحلة العائلة التي انطلقت من الاسكندرية في مصر استغرقت أسبوعًا كاملًا، ثلاثة أيام منها داخل المياه الإقليمية الإيطالية، بعد أن عاد المهربون إلى مصر وتركوا القارب في طريق تجاري بحري، بانتظار مرور إحدى البواخر أو وصول خفر السواحل لإنقاذهم”.

رحلة محفوفة بالمخاطر

أما عن الأجواء على القارب فيقول حامد “الجو بارد جدًا ليلًا.. الراكب في عرض البحر لا يفيده أن يأخذ معه أي نوع من الطعام لأنه سوف يستفرغ كل شيء حتى الماء”، مؤكدًا أن على الشخص “البقاء هادئًا، متحملًا تصرفات الآخرين، لأنه عند اليأس تتغير نفوس الناس وطبائعهم”، وبذلك عزا حامد “مقتل بعض المهاجرين على متن القارب خلال عراك أثناء تحطم المركب”.

بينما أشار شفيق إلى أن عائلته بقيت 3 أيام دون طعام، بعد دخولها المياه الإقليمية الإيطالية، وسط حالة من الترقب والخوف “لا يعرفون أي جهة يجب عليهم أن يسلكوا وسط الأمواج المتلاطمة” حتى أنقذتهم باخرة فلبينية تجارية وسلمتهم إلى خفر السواحل الإيطالية.

الموت غرقًا

غرقت السفينة التي يستقلها حامد عندما ارتطمت بمركب الإنقاذ خلال محاولة الربان أن يصطف قربه،  “لكن مقدمة السفينة ارتطمت بالمركب وبدأت بالتمايل والغرق، ليسيطر على الركاب حالة من الذعر والهلع، محاولين القفز من السفينة في حين بدأ آخرون بالتهاوي والسقوط”.

قفزتُ من السفينة سابحًا قرابة 20 دقيقة حتى وصلت إلى ناقلة نفط مرت في المنطقة، “وخسرتُ كل شيء معي إلا جواز السفر ومبلغًا بسيطًا من المال” كما يقول حامد، مؤكدًا أن السبب الرئيسي في غرق السفينة هو “طريقة تصرف القبطان خلال محاولته الاصطفاف بجانب مركب الإنقاذ، وليس فزع الركاب وتخبطهم”.

ثم أردف “مات معظم الأفارقة المحبوسين في الأسفل غرقًا، في حين غرق طفلٌ عمره 3 سنوات أثناء محاولات الإنقاذ”، وحال الوصول إلى الشواطئ الإيطالية “أبلغ الناجون السلطات الإيطالية عن الأشخاص الذين منعوا الأفارقة من الصعود إلى ظهر السفينة وقمعوهم، وقد قامت السلطات الإيطالية باعتقالهم”.

البحث عن المستقبل

وصف حامد شعوره بـ “الحماس” بعد وصوله إلى الأراضي الإيطالية، إلا أنه عاش “خوفًا رهيبًا، أقرب للموت خلال سباحته إلى ناقلة النفط”، مشيرًا إلى أنه مازال يتخوف من احتجازه قبل أن يصل إلى برلين، وجهته التي يخطط للوصول إليها.

لدى وصولهم إلى إيطاليا وضع الركاب في مخيم للناجين واللاجئين الذين استطاعوا الوصول إلى إيطاليا، لكن في صباح اليوم التالي “هربنا من المخيم أمام الشرطة دون أن يفعلوا شيئًا”، يقول حامد، ويوضح أنه ينوي إكمال رحلته من إيطاليا إلى فرنسا ثم إلى ألمانيا، بعد محاولتين فاشلتين للوصول إلى أوروبا اعتقلته السلطات الليبية في الأولى يومًا واحدًا، وفي الثانية تاه القارب في البحر ثلاثة أيام قبل أن يتمكن المهرب من إيجاد القارب وإعادته إلى الشواطئ الليبية.

وقد عزا حامد سبب لجوئه إلى أوروبا إلى أنه “فقد مستقبله” بعد لجوئه من سوريا إلى لبنان فمصر ثم ليبيا، ولم يعد لديه فرصٌ لبناء حياته سوى في أوروبا.

بينما يقول زاهر، الشاب الذي وصل إلى السويد قبل 3 أشهر بطريقة غير شرعية، أن سبب مخاطرته هو “الحصول على جنسية أو إقامة أوروبية لأن الجواز السوري يتدهور ولم يعد السوريون يستطيعون التنقل بين بلدان العالم”، مستفيدًا في ذات الوقت من المساعدات والرواتب التي تخصصها السويد للاجئين السوريين، أما حذيفة البالغ من العمر 20 عامًا فيجد في اللجوء فرصًا للدراسة والعمل واكتساب اللغة.

تجارة رابحة

على خطورتها، فإن سماسرة وتجارًا يسيّرون هذه الرحلات بمبالغ طائلة تصل إلى 10 آلاف يورو أو أكثر، ضامنين الوصول إلى البلدان التي تمنح لجوءًا كألمانيا والسويد وغيرها، لكن غالبًا ما يترك المسافرون في عرض البحر، متكفلين بباقي المهمة لوحدهم، ولا يستطيع هؤلاء محاسبة السماسرة والتجار لأن الاتفاق غير شرعي بالأصل.

أبو عمر حاول السنة الماضية الانطلاق من الاسكندرية إلى إيطاليا مع زوجته، لقاء 900 دولارًا على كل منهما، لكن السلطات المصرية أوقفت القارب واعتقلت اللاجئين لمدة عشرين يومًا، ثم رحّلتهم خارج البلاد، يقول أبو عمر أنه عانى من استعادة المبلغ الذي دفعه من المهرب حتى تدخل أشخاص يعرفونه وضغطوا عليه، لكنه مع ذلك أعاد قسمًا من المبلغ مبررًا ذلك بأن “جزءً من المبلغ دفع لاستئجار المركب والأمور اللوجستية وقسم الشرطة في المنطقة”.

عشرات السوريين يحاولون السفر إلى أوروبا بطرق شرعية أو غير شرعية، نظرًا لظروفهم المعيشية والاجتماعية السيئة في بلاد اللجوء، محاولين الاستفادة من الخدمات التي تقدمها البلدان الأوربية لهم في التعليم والرعاية والطبابة، لكن قسمًا منهم يقع فريسة لسماسرة وتجار اللجوء أو يموتون غرقًا، وآخر هذه الحوادث مقتل 100 مهاجر كانوا على مركب متجه من تونس نحو إيطاليا، إثر اقتتال داخل السفينة طعن فيه قرابة 50 لاجئًا.

تابعنا على تويتر


Top