والحروب تبوح خيرًا

Bc7Q-KAIcAAYEYb.jpg-large.jpg

عنب بلدي ــ العدد 129 ـ الأحد 10/8/2014

Bc7Q-KAIcAAYEYb.jpg largeبيلسان عمر

يركن الإنسان بعد ساعات الصخب إلى منزل يلقي فيه ما علق به من أدران يومه، ويسجل أقصى ما يحلم به، باحثًا عن لحظات هدوء يختلي فيها بنفسه، فيفضي لذاته ما يعجز عن البوح به حتى لأعز الناس عليه، واليوم اعتدنا أن تتحول لحظات الهدوء هذه إلى حلم، وهذا أقسى ما يعاني منه الإنسان، فها هو يعود أدراجه إلى المنزل، يفتح التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي، يتنقل من قناة لأخرى، يشاهد الأخبار فلا يكاد يستطيع تخليص نفسه من أزمة قلبية لهول ما يرى ويسمع من أخبار قتل وتدمير وتهجير واعتقال، يبذل الحكّام والطغاة كل ما يملكون من طاقة لإذاقة شعوبهم المر والمرير. وإن خطر له مشاهدة قنوات ترفيهية فإنه يستعرض أمام ناظريه ما تبقى من فتات كرامة في مقاطع –فيديو كليب- أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها رخيصة في زمن بات فيه الإنسان سلعة مستهلكة بأبخس الأثمان. وإن تابع أخبارًا اجتماعية، فالطلاق والخيانة والعلاقات غير الشرعية، والقتل والسرقة والتحايل، هي الغالبة، حتى يكاد يشتعل رأسه شيبًا من هول ما يسمع ويرى.

تراوده فكرة الخروج إلى الشارع، فإذا به وحيدًا في ضوضاء الطريق، ينتظر صمت الصواريخ والطائرات الحربية، ليبوح بحلمه الصغير، فهو لا يحلم بأكثر من لحظة هدوء، دونما خوف من مجهول اغتاله فجأة، وقد دخل إلى أدق تفاصيل حياته، وعبث بأفكار أولاده وأقاربه وجيرانه، فلم يعد يجيد لغة يكلمهم بها، أو يجذبهم إليه من خلف شاشات أجهزة حواسيبهم وهواتفهم النقالة، فقد باتوا بنظره سرابًا، مجرد أشخاص من حروف تجيد تكبيس أزرار لوحة المفاتيح، دونما أن تجيد فن التواصل الفعال. وبدوره بات هو الآخر رجلًا من ورق، في زمن قهر فيه الرجال، وأصبح الورق وسيلته للتعبير عن آرائه، يحلم أن يصغي مرة أخرى لصمت الحروب ليبوح للآخرين بكل ما يحمله لهم من مشاعر جميلة، وينوي حينها أن يخرج من الملجأ فيزور الحدائق وبحيرة القرية، ويمتّع ناظريه بما لم تتمكن جدران الأقبية العفنة من أن تمنحه إياه.

سوف يترك للبشرية دروسًا بأن تتفنن في رسم الجمال في كل شيء، فذاك الشاكي من شوك الورود أعمى، لأنه لم ير الندى فوقها إكليلًا، وذاك المصوّر  يساعد على تسجيل التاريخ بعدسة كاميرته، ولكنه لم يلتقط صورًا للاجئ مكوّم كمتاع في زاوية ملجأ وقد حوّله إلى قصر مؤتمرات، واتفق مع إخوانه على ميثاق شرف يعينهم على قضاء حياة كريمة ضمن جماعة تتوق للحياة بكل ما أوتوا إليها سبيلًا، ولا لذاك الذي اتخذ المخيم مكانًا للتعارف، وصولًا إلى أكرمهم، ليكون معلمًا للبقية أصول التقوى، أو المهاجر الذي اعتبر تهجيره سياحة، يسير في أرض الله، فينظر كيف تعيش أمم أخرى، يستنبط من حضارتهم ما يوائم حياته، ويعقد النية ليستفيد منهم ويستزيد، وآخر يتعلم من الجرحى دروسًا في الصبر واستثمار نعم الله في الصحة والعافية، فقد اعتاد الإعلام أن ينشر سلبيات الظاهرات التي نعايشها، دون أن يسلّط الضوء على إيجابياتها، فالحرب ورغم ما تفعله تنطق خيرًا، ففي كل لحظة تنمو آلاف الزهور، وتولد أطفال نأمل أن نساعدهم على استنشاق الورود لا البارود، وتنمو ألف قصة حب وقصة، وتدوي ضحكات الأطفال وأهاليهم في ساحات القرى، مع أهازيج الأمل بالقادم الأفضل، وتثمر أشجار بأزكى الفاكهة، ويبدع أناس باختراع ما يسهّل علينا قضاء حوائجنا، وتزغرد طيور، ويتعافى مرضى، فعجبًا لأمورنا: كلها خير، ونحن مطالبون باستنباط هذا الخير، والبحث عن الجميل في الحياة، فهاهو إيليا أبو ماضي يرى بأن:

وَالَّذي نَفسُهُ بِغَيرِ جَمالٍ                                          لا يَرى في الوُجودِ شَيئاً جَميلا

تابعنا على تويتر


Top