الاستعداء: ملهاة النظام ومأساة الشعوب

عنب بلدي ــ العدد 131 ـ الأحد 24/8/2014

الاستعداءفيكتوريوس بيان شمس

توقّفت أحداث عرسال اللبنانية تاركة واءها آثارًا اجتماعية ذات أبعاد أخلاقية عميقة، هي في الواقع من ترسّبات مرحلة مضت كان النظام السوري ضالعًا فيها، وجدت فيما استجد من أحداث، فرصة للانفلات بأشكال تعبيرية، تُرجمت إعلاميًا “بتغريدات” عنصرية في لبنان، وتصريحات إعلامية في مصر، وما خفي ولم يُتح له الظهور بعد ربّما يكون أعظم.

جرت العادة في العالم العربي أن يعادي نظام الآخر، فيتآمر عليه بكل السبل والوسائل. يُشجّع، وربّما يموّل، ويتورط مباشرة أو مواربة بعمليات تخريب هنا أو هناك، كما هو الحال بين البلدين الشقيقين، والحزبين التوأمين في سوريا والعراق في ثمانينيات القرن الماضي، عندما كانت تتنقّل التفجيرات بين دمشق وبغداد، كرسائل دموية يرسلها أحدهما إلى الآخر، ضحيتها الأساس شعبين لا علاقة لهما بتلك الخلافات. أو قطع للعلاقات بين بلدين كالسعودية وليبيا قبيل اشتعال شرارة “الربيع العربي” مباشرة، عندما اتّهم معمر القذافي بالتخطيط لاغتيال الملك عبدالله. أو علاقات متوترة بشكل دائم كما هو الحال بين الجزائر والمغرب بسبب دعم الأولى لـ “جبهة البوليساريو”. والكثير من المؤامرات والدسائس التي كانت تتنقّل بسبب صراعات فوقية، الدور الوحيد للشعوب العربية فيها، هو دفع أثمان تلك الصراعات.

تختلف المرحلة الحالية، والتي يعد “الربيع العربي” مفصلها الأساسي عن تلك الحقبة، ففي هذه المرحلة أصبحت المسألة تتعلّق بوجود، أو عدم وجود، النظام الرسمي العربي برمّته. مع أن التباينات الاقتصادية والاجتماعية موجودة بوضوح بين كيان سياسي عربي وآخر، إلا أن منهجية الحكم كانت متقاربة إلى حد بعيد، بحيث ارتكزت هذه الأنظمة في تثبيت سلطتها على القمع، لا على البرامج التنموية والتطويرية التي من المتأمّل فيما لو انتُهجت، أن تلحق بركب الحضارة في عوالم أخرى قريبة الشبه إلى حد بعيد من عوالمنا، كما هو الحال ليس في أوروبا قبالة السواحل العربية، بل في تركيا أو ماليزيا، أو حتى تايلند، تلك الصحراء القاحلة التي تمتلك “صفر” مقدّرات وموارد طبيعية، لكنها استطاعت أن تستثمر في العقول لتصل إلى ما وصلت إليه اليوم، فأصبحت قوة صناعية واقتصادية لا يُستهان بها، حقّق الناتج المحلي الإجمالي فيها نسبة تنمية فاقت الـ 8%.

إذًا، رغم التباينات الاجتماعية والاقتصادية بين بلد عربي وآخر، كان شكل النظام فيها هو ذاته، ركيزته الأساس القمع؛ لتثبيت سلطانه. لكن متغيرًا ما طفى على سطح الأحداث بعد أن أصبح الحراك الاجتماعي في العالم العربي بعد “ربيعه” يستهدف وجود النظام نفسه، فانتقلت عدوى الدسائس بين نظام وآخر، لتأخذ شكلًا آخر لم تعهده الشعوب العربية، كظاهرة عداء شريحة شعبية في بلد ما، لشريحة أخرى في بلد عربي آخر. هذا ما بدت عليه الأمور بشكل واضح بعد اندلاع الثورة السورية، وهي ظاهرة لا يعرف على وجه التحديد ما إذا كانت معدّة سلفًا كخط دفاع عن أنظمة تتهاوى، أم أنّها نتاج طبيعي لانقطاع في التواصل بين شعب وآخر، رغم رفع العديد من الأنظمة العربية للشعارات القومية الفضفاضة التي تنادي بوحدة المسار والمصير، والتي أثبت الأحداث عكسها. فما إن بدأ العدوان الصهيوني على غزة، حتى بدأنا نسمع أصوات من اصطلح عليهم اليوم تسمية “الصهاينة العرب” الذين طالبوا العدو عبر بعض الشاشات المصرية بسحق غزة، لا لشيء، إلا لأنّهم ضد “الإسلام السياسي” الذي تعتبر “حماس” واحدة من أكبر فصائله المقاومة. لكن المسألة ليست كذلك لسببين: الأول أنّها جاءت في سياق تحريض لشرائح وطبقات شعبية عربية على بعضها بعد الربيع العربي، والثاني أنّها جاءت بعد جملة تغييرات في مصر، فصلت بين مرحلتين، في الأولى ربطت مسألة التغيير الداخلي بإلغاء العلاقة مع العدو، دليل ذلك المظاهرات الضخمة في آب 2011 ضد السفارة “الإسرائيلية” التي انطلقت بعد خلع حسني مبارك. وفي الثانية ظهرت وكأنّها تحاول ترميم الشروخ التي خلّفتها الأولى، لبدء مرحلة جديدة يعاد فيها انتاج النظام ذاته، إن لم يكن أسوأ، وهو السيناريو الذي يُراد تعميمه في العالم العربي.

نموذج آخر لا يقل سوءًا في سياق محاولات ترسيخ مبدأ عداء الشعوب للشعوب، ذلك الذي بدأ بشهر آب 2014 بحصار عدد كبير من العمّال المصريين، ليضطروا مغادرة ليبيا عبر الحدود التونسية، وهم الذين دفعوا ثمن خلافات لا علاقة لهم بها، ليصبح مأزق خروجهم اثنين، خاصة بعد المعاملة القلقة والمربكة من قبل السلطات التونسية على الحدود مع ليبيا عندما رفضت في البداية دخول هؤلاء للمغادرة من أراضيها.

ولعل النموذج الأكثر وضوحًا في كل هذا، ذلك التحريض الذي يجري ضد اللاجئين السوريين في كل مكان في العالم العربي. فبعد أحداث عرسال أثارت بعض الكتابات على مواقع التواصل الاجتماعي حنق السوريين، كل السوريين (مؤيّدين ومعارضين) ضد ما كتبته إحدى الصحفيات المغمورات، والتي طالبت كل لبناني بقتل سوري واحد على الأقل. ثم ما كتبه بعدها بيومين الإعلامي الشهير طوني خليفة، والذي لا يختلف من حيث المضمون عمّا كتبته سابقته. إضافة إلى ردود الأفعال المتضامنة، أو الرافضة هنا وهناك.

هذا ما يطرح جملة من الأسئلة الضرورية: نتاج أي ثقافة هذا التحريض؟، بل أي ثقافة سيُنتج؟ ولماذا كل هذا العداء بين شعبين، هم الأكثر تشابهًا وقربًا لبعضهما من بين كل الشعوب العربية؟

الانتقال من حالة عداء نظام لآخر، لحالة أخرى كالتي يعيشها العالم العربي اليوم، هي نتاج مرحلة أشرفت فيها الأنظمة العربية على تغييب وعي شعوبها وتشويهه، وهي المسؤولة اليوم عن ظهور هذا النوع من العداء. لكن هذا شيء، وانتهاء هذا العداء بإسقاط الأنظمة شيء آخر قد لايصح. فالتغيير نتاج ضغوطات اجتماعية وصلت إلى ذروتها، وليس نتاج حالة وعي فرضته، هذا يعني أن إسقاط النظام، بداية لإعادة بناء الثقة بين الشعوب، لكنها البداية الأكثر تعقيدًا.

 

  • فيكتوريوس بيان شمسفيكتوريوس بيان شمس

كاتب سوري، من مواليد 1975، مقيم في القاهرة منذ أواسط العام 2012، عمل في صفوف “اتحاد الشباب الديموقراطي السوري” ما بين عامي 1995 – 1998، ثم في “الحزب الديموقراطي الشعبي” و “حركة الشبيبة الديموقراطية” التي تولى فيها عدة مسؤوليات في لبنان منذ العام 1999 وحتى قيام الثورة 2011.

درس العلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية، ويكتب في عدد من المواقع والصحف والمجلات السورية والعربية.

تابعنا على تويتر


Top