كن نفسك… العالم سئم من أولئك المتشابهين

8079_11280979211.jpg

 عنب بلدي ــ العدد 133 ـ الأحد 7/9/2014

كن نفسكهبة الأحمد

كثيرًا ما يحدّثوننا عن شخصيات عظيمة واستثنائية، وعن فلسفتها وحياتها بكل تفاصيلها، ويطلبون منا أن نقتدي بها ونحذو حذوها: الأنبياء والرسل مثلًا، الصحابة والتابعون، العلماء والعظماء.

تجد المجتمع شغوفًا بتصنيف الناس والحكم عليهم وفق قوالبه وأحكامه الجاهزة وتواقًا لجعلهم نسخًا متشابهة عن بعضها، لكن ما لا يحفل به هو أن يعلمنا كيف نكون “ذاتنا” ونبحث عن مكامن العظمة فيها ونفهم فلسفتها ونتقبل نقاط ضعفها.

الله أكمل صنعنا من الداخل ومن الخارج، بأحسن تقويم، وجعل كل إنسان منا عبارةً عن عملٍ متواصل، يتحرك نحو الكمال، فهو يتعامل مع كل واحد منا على حدة، لأن البشرية لوحة جميلة رسمها خطاط ماهر تتساوى فيها جميع النقاط من حيث الأهمية لإكمال الصورة.

حيث لا يوجد إنسان أهم أو أفضل أو أجمل من إنسان، كل إنسان هو لوحة فنية فريدة وجزء من لوحة فنية بكل فضائله ونقائصه، وعيوبه وميزاته، وفي المكان الذي ولد فيه وبالمؤهلات التي يتمتع بها.

  • اعرف ذاتك:

لكي تحيا بسعادة مع النفس التي وهبك الله إياها لا بد لك أن تكتشفها، ولكي تنجح في الحياة لابد أن تعرف مواطن ضعفها ومكامن قوتها. وبهذا بدأ سقراط فلسفته في أثينا “أيها الإنسان اعرف نفسك”.

خلقنا الله كمنحوتة بأروع ما تكون، وأوكل إلينا مهمة أن نكتشفها ونزيل عنها الزوائد والأحجار والأتربة، ولكي تعرف ذاتك اتصل مع ذاتك الداخلية بصفاء وصدق، بعيدًا عن الإيديولوجيا والتصنيفات وأحكام المجتمع، وأنصت إلى مصدر الحكمة فيها، وثق به.

  • تقبّل ذاتك:

الكثيرون يودّون لو يكونون أشخاصًا آخرين في زمن آخر أو مكان آخر وقلما تجد أشخاصًا راضين عن أنفسهم أو عن زمانهم، ولو تسنّى للإنسان أن يتجول في عقول الناس وأفكارهم لوجدها لا تخلو من أسئلة مثل: لماذا ليس لدي هذا الأمر مثل فلان، أو ليتني ولدت في مكان آخر، أو لماذا أبدو قبيحًا وأفتقر لوسامةٍ كالتي يتمتع بها صديقي، أو أنا فاشل في العلاقات الاجتماعية أو في الدراسة، لماذا لا أستطيع إدارة الأمور مثل أخي الأكبر؟

إذا فقد الإنسان اتصاله مع ذاته الداخلية، ولم ينصت لحكمتها، سيظل أسيرًا لدوائر المقارنة بالآخرين، والألم بسبب نقصٍ يشعر به، أو البؤس بسبب تمنّيه مالا يسعه الحصول عليه

غير أن المقارنة هي كفر بالذات وتفردها، فهي سبب للشقاء، يقول وليم جيمس في هذا: “أكثر الناس شقاء على الإطلاق هو من يريد أن يكون شخصًا آخر غير ما تؤهله له قدراته وملكاته الطبيعية أن يكونه”. فالحكيم هو من يتقبل نفسه بعد أن يعرفها، ويصبر على ما لا يمكن تغييره فيها ويمتلك الشجاعة لتغيير ما بوسعه تغييره ويمتلك البصيرة للتفريق بين هذا وذاك.

  • احتف بنفسك:

عندما يعرف الإنسان ذاته ويتقبلها، ويدرك أنه لا يوجد إنسان ضعيف وإنما هناك من لا يعرف مكامن قوته، ويعرف أنه بتركيبته ومجموع خصاله وصفاته والانسجام بين ذراته وخلاياه لا يمكن أن يتكرر مرة أخرى في عمر الكون، لا بدّ له أن يحتف بنفسه ويرعاها ويسعى لتحقيقها ونجاحها، ويتوقف عن السعي وراء أن يكون إنسانًا آخر مهما بلغت عظمته.

أخيرًا: الحياة تحتاج عبيرك ولونك ولحنك أكثر مما تحتاج نسخًا متشابهة عن أشخاص آخرين، ابحث عن ذاتك الداخلية ومصادرك الغنية في أعماقك.

كن أنت… اعمل ما تحبّ وتعلم ما تعشق ومارس شغفك وتصرف كما أنت على سجيتك لا كما يملي عليك الآخرون فالعالم يتوق لفرادتك بعدما سئم من الأشخاص المتشابهين والقوالب المكررة.

تابعنا على تويتر


Top