بذرة الحروب الصليبية تنبت حروبًا “هلاليـــة”

قبل 919 سنة من اليوم أطلق صيحته الشهيرة: “يا شعب الفرنجة… يا شعب الرب المحبوب المختار”، ليبتدئ بها الأب أوربان الثاني كلمته الحماسية للأوروبيين داعيًا لمحاربة الكفار وتحرير القدس.

وما إن أنهى الأب خطابه حتى بدأت الجماهير المنفعلة المغيبة تصيح بهياج “هذا ما يريده الرب… هذا ما يريده الرب”.

ترى هل خطر ببال الأب أوربان أن كلماته كانت افتتاحية لحقبة دامت 200 عامًا من القتل والدماء والحقد الأسود؟، لتكون أطول سلسلة حملات مقدسة في تاريخ البشرية، سيطلق عليها اسم الصليب الذي خرجت باسمه والذي كان يحمله؛ لا يهم هل فكر بالأمر مليًا أم لا، لكن الحملات الصليبية بدأت بعد خطابه التاريخي بأشهر قليلة.

وكان المشاركون في هذه الحملات من مختلف الجنسيات الأوروبية ممن يسعون لتحقيق وعد البابا بـ “نيل رضا الرب وغفرانه”، وبعد أدائهم القسم واستلامهم الصليب المقدس، انطلقت الحملات الصليبية من أوروبا تجوب أنحاءها لتطهيرها من الكفار والهراطقة واليهود، قبل انتقالها لقتال المسلمين في بلاد الشام، وهنا ملمحٌ مهم في محاربة الصليبيين لمعارضي الكنيسة من كل دين، حتى أن أقباط مصر كانوا في صفوف المسلمين ضد الصليبيين.

الجهل والفقر والخرافات الدينية، النزعة للعنف والرغبة بالهجرة والأوضاع السياسية، كانت مناخًا خصبًا وظروفًا مواتيةً لتحريك الناس وتجييشهم عقب عصور الظلام الطويلة في أوروبا، ولم يكن وعي الناس كافيًا ليعصمهم من الخوض في حملات بربرية همجية راح ضحيتها 6 ملايين إنسان، بالإضافة لجرائم كثيرة ارتكبت فيها كالمحارق وأكل لحوم البشر، حسبما يؤكده المؤرخون.

ليست مجرد “حدوتة” تاريخية، لكنها صفحات قاتمة بتاريخ الإنسانية تمسنا جميعًا، ولعلها تتكرر اليوم، حين استبدل الصليب بالهلال، وتنكر الأب أوربان بلباس ولحية وصار اسمه أبو بكر البغدادي، ليهتف بالشباب الضائع التائه الغارق في جهله وظروف مجتمعه المأساوية الراغب بالخلاص، مناديًا بإعدام الكفرة وإقامة الخلافة، ومبشرًا بالشهادة والجنة وحور العين.

وأما البيعة للخليفة فهي الطقس البديل عن مراسيم استلام الصليب المقدس، وكما الحملات الصليبية، تمكنت “دولة الخلافة” باستقطاب المسلمين المهمشين الفقراء والمظلومين من كل مكان على أرض المعمورة.

وبدأت “دولة الخلافة” اليوم أول ما بدأت بمحاربة المسلمين أنفسهم الذين لا يبايعون أميرها ويخالفون أوامره في العراق والشام، ولو أنهم كانوا بفترة من الفترات حاضنين للدولة ومدافعين عنها، لتمكّن الدولة بذلك نفوذها على أشلاء المسلمين قبل البدء بمحاربة الغرب “الكافر” وأعوانه في المنطقة.

انتهت الحروب الصليبية تاريخيًا عام 1290م لكنها لم تنته من ذاكرة الألم الإنساني والتعصب الديني، ورغم أنها كانت باسم الكنيسة إلا أن الديانة المسيحية والكنيسة كانا الخاسر الأكبر بعدها، ليتلاشى أثرهما من حياة الناس في أوروبا، إذ فشلا في إثبات الإنسانية والسلام الموجود بتعاليمها، على حساب انتشار العلمانية فيها.

فهل يجدر بنا اليوم أن نحذر من خطر حروب “هلالية” ترتكب باسم الإسلام وتحت راية هلاله، دونما نبوءة بأمد محدد؟ وهل سيكون الإسلام هو الخاسر الأكبر من هذه الحروب؟

تابعنا على تويتر


Top