على مَن يراهن الشعب السوري؟

عنب بلدي ــ العدد 133 ـ الأحد 7/9/2014

على من يراهن الشعب فيكتوريوس بيان شمس

دخلت الأزمة السورية بعامها الرابع مرحلة، من أهم مظاهرها ما اصطلحه عليها الكاتب السوري ياسين الحاج صالح عندما وصفها بـ “التعفّن”. وقد دعا الحاج صالح لإعادة بناء “حركة تحرّر وطني سوريا”.

لا تشبه الأزمة السورية مثيلاتها في دول “الربيع العربي”، والتي استطاعت أن تنجز بعضًا من أهدافها، تمثّلت بشكل أساسي بالإطاحة برأس النظام هنا أو هناك، بتسوية على غرار النموذج اليمني، أو إطاحة بالعنف كما حصل في ليبيا، أو بكليهما كما في مصر. وإن كان الثمن بكل الأحوال، فوضى تتفاوت حدّتها بين تجربة وأخرى، مردّ ذلك سنين طويلة من تكلّس الحياة السياسية في العالم العربي، والتي عملت هذه الأنظمة على تكريسها، بالقمع، والمعتقلات، وأجهزة الأمن، والمنافي وغير ذلك من وسائل البطش والتركيع.

مأساة التجربة السورية أصبحت فوق الاحتمال، فنصف السكان مشرّدون، عدا عن جيل كامل بلا تعليم. ونظام متمرّس، لديه من يساعده، فعلًا لا قولًا، بعملية إنهاء ثورة الشعب السوري، ولو كان على حساب إنهاء الشعب نفسه، سواء قتلًا، أو اعتقالًا، أو تجهيلًا فوق التجهيل، أو -وهذا هو الأهم ربّما- إنهاءه كشعب، عبر حرمانه من جنسيته، حيث أصبح جواز السفر على رداءته، حلمًا كبيرًا صعب المنال.

إلى حد كبير تتشابه الأزمة السورية مع محنة الشعب الفلسطيني الشقيق، إن لجهة تشتيته والتضييق عليه في منافيه من قبل أشقّائه، أو لجهة دعم بعض قواه، أو بمعنى آخر شراؤها من هذه الدولة أو تلك، أو حتى لجهة تكرار التاريخ نفسه، وإن في سياق زمني آخر، يدلّل على ذلك استخدام ذات المصطلحات، والتي تدل في وجه منها، على أن المأساة طويلة، ولا حل يلوح في أفقها.

فمنذ البداية اعتقد “المجلس الوطني السوري” أنّه على غرار نظيره الليبي، يستطيع بالتعاون مع بعض القوى الإقليمية والدولية إنهاء الأزمة. وفي مرحلة لاحقة، وبشروط دولية، تم تشكيل “الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة”، ليصف نفسه بـ “الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري” دون أي ترجمة فعلية. ومع كثرة اللاعبين في الخارج، كثرت التباينات بين قوى الثورة بالداخل، وكان الفساد وتضخّمه يلقي بظلاله على “الجيش السوري الحر” الذي بدأ بالتراجع أمام تمدّد أصوليات مختلفة، أصبحت تسيطر على المشهد السياسي السوري، وهي تعمل بشكل حثيث، لكن بصمت على تنفيذ مخطّطات، لا يهم هنا إن كانت ذاتية أم خارجية، بقدر ما يهم أنّها باتت تنبئ بضرب البنية المجتمعية السوري، والتي تشكّلت عبر آلاف السنين، لتحول سوريا إلى مكب للنفايات السياسية ولتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

وفي مشهد متناقض، لكنه أيضًا في جانب منه، يشابه الحالة التي وصلت إليها الحالة الفلسطينية، كثُرت المبادرات لإيجاد حلول تسووية للأزمة. أغلب هذه المبادرات تنطلق بالأساس من المراهنة على شعور الشعب السوري بهول المذبحة التي تعرّض لها، وبالتالي يأسه من الاستمرار فيما بدأ. وهو ما يعني الانطلاق البديهي من قبوله بأي حل يُطرح، حتى وإن كان الثمن بقاء النظام مع بعض التحسينات الشكلية. وهذا يعني أيضًا أن لا ثقة بقدرة الشعب السوري على التغيير.

ورغم قتامة المشهد الفلسطيني، والذي أنتج دولة مسخ بعد “اتفاق أوسلو 1993″، لم يستكن الشعب الفلسطيني لقبول السلطة التسووية بأقل من 22% من أرض فلسطين التاريخية، فبقيت المقاومة كحالة طبيعية في ظل أي احتلال، تُترجم بالحرف ما ابتدعه المفكر اللبناني التحرّري مهدي عامل عندما استخلص حكمته: “لست مهزومًا ما دمت مقاوم!”، بقيت المقاومة التعبير الأبرز عن رفض المجتمع الفلسطيني للتسوية التاريخية مع العدو، حتى بعد اضمحلال “حركة التحرر الوطني في العالم العربي”، وظهور معسكرات وأحلاف، “ممانعة”، و “معتدلة”.

وبقي رفض الاحتلال، هو العلامة الفارقة والجامعة للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، رغم تعدده الحزبي والأيديولوجي والفكري. والاحتلال، هو في أحد تجلّياته: السيطرة على موارد ومقدّرات شعب ما بالقوة الغاشمة.

وجود ياسر عرفات كشخصية تاريخية كاريزمية، التف حوله الشعب الفلسطيني في مرحلة مضت، هو ما سمح للشعب الفلسطيني بقبول تشكّل السلطة كنتاج للتسوية مع العدو على مضض، وغيابه –اغتيالًا- عن المشهد، كان البداية لمرحلة جديدة، أبرز معالمها، تكريس مبدأ سلطة – مقاومة، الأولى تعمل بحكم طبيعتها، على تثبيت سيطرتها من خلال تمييع الصراع مع العدو بالتماثل مع أقرانها من الأنظمة العربية، والثانية تعمل لتحقيق حلم الشعب الفلسطيني، وإن في ظروف في غاية التعقيد، أجبرتها على القبول –بحكم الأمر الواقع- بوجود سلطة، والشراكة معها، بل والانقلاب عليها في مرحلة لاحقة.

على المقلب السوري، لم تبرز أي شخصية كاريزمية سورية، يثق بها ويلتف حولها الشعب السوري. والورقة التي كان من الممكن الرهان عليها، أي “الجيش السوري الحر” في طريقها إلى التلاشي، في ظل تمدّد لقوى التطرّف التي من الواضح أنّها، كما النظام، ستضع الشعب السوري أو ما تبقّى منه أمام الاختيار الصعب: نحن أو النظام، وهذا هو منطق النظام نفسه. عدا ذلك، فإن أي تسوية مع النظام، ما لم تُنهِ سيطرته الأمنية، ستكون النهاية لأي طرف “معارض” يقدم على هذه التسوية، هذا إن لم تنسف مبدأ “المعارضة” أصلًا.

هذا ما يضع الشعب السوري أمام أحد خيارين لإنهاء “التعفّن” الذي أصبحت عليه الأزمة: إمّا القبول بحل على طريقة “المعارضة” السورية الحالية بكافّة تلاوينها. أو انتهاج الخيار الآخر، والذي يفترض أن المعركة طويلة، مع ما يترتّب على ذلك من ازدياد حدّة المعاناة. وبهذا يصح ما افترضه ياسين الحاج صالح من ضرورة العمل على على بناء حركة تحرّر وطني سورية، “تجمع بين النضال التحرّري ضد الاستعمار وتوحيد البلد من جهة، وبين التحرّر الاجتماعي والثقافي من جهة ثانية”، لأن المسألة ما عادت فقط مسألة إسقاط النظام، بل بناء كل ما دمّره أيضًا.

تابعنا على تويتر


Top