راتب محدود.. وأسعار دون حدود.. وسلة غذائية مليئة بالثقوب .. “المواطن” الحلقة الأضعف ضمن السياسة الحكومية الاقتصادية لنظام الأسد

.jpg

عنب بلدي – العدد 139 – الأحد 19/10/2014

SYRIA-CRISIS/المعتصم بالله الحسن – دمشق

 

  • كثير من المواد الأساسية والضرورية في السوق السورية تضاعفت لأكثر من أربع مرات
  • اللحمة “هدية” الشهر إن وجدت، والفروج هجر موائد الأسرة السورية وأصبح من أحاديث الذاكرة، وبات بيضه يفقس ذهبًا للتجار المستغلين
  • حينما كان الدولار بـ 47 ل.س قدّر إنفاق الأسرة السـورية شهريًا بـ 900 ليرة؛ الرقم تضاعف أكثر من ثلاث مرات مع ارتفاع الدولار ليتجاوز 100 ألف ليرة حاليًا

 

لم تعد الأمور كما وصفتها الصبوحة في أغنيتها الشهيرة “على البساطة البساطة يا عيني على البساطة، تغديني جينة وزيتون وتعشيني بطاطا”، فحتى الجبن واللبن وحبات البطاطا أصبحت ضربًا من الخيال لموائد الأسر السورية، التي إن نجت من جحيم الموت أصابتها سهام التدمير، وإن نجت منه، أصابتها رياح التهجير، وإن هربت من التهجير هاجمها شح الاقتصاد، وطبخات سياسة اقتصادية كاذبة خاطئة، تحدث في عصر “الأسد الابن”، وهو لا يختلف عما حدث في ثمانينات القرن الماضي خلال حكم “الأسد الأب”، حينها كان العثور على “تنكة” سمنة، أو خطف علبة محارم، أو الوقوع فوق “كيس ليمون” كنز لمن استطاع إلى ذلك سبيلًا.

يضرب المواطن السوري ارتفاعًا في الأسعار تجاوز 400%، لكن لم يرافق ذلك زيادة في الرواتب لأكثر من 40%، ما جعل المواطن يحاول البحث عن “بقية إنسان”، وعليه يناقش التحقيق التالي: الدورة الحياتية للمواطن السورية، وارتفاع الأسعار، مركزًا على ما حل بالحياة اليومية للمواطن، وكيف يرمم مصروفه، ولقمته المعيشية، إضافة لما حل بالطبقة الوسطى في سوريا، والتي كانت تشكل صمام أمان في المجتمع.

 

  • للألم لسان يعاني

“منذ شهرين لم يدخل الحليب، أو البيض بيتي، ولن نتناول مشتقاتها بعد الآن، إذا بقيت الأسعار على ما هي عليه اليوم”، بهذه الكلمات لخص “أبو محمود” والد 4 أطفال، تتراوح أعمارهم بين السنتين والعشر، حال معظم السوريين.

وبات غلاء السلع الأساسية فوق طاقة غالبية السكان، إذ وصل سعر كيلو الحليب لأكثر من 175 ليرة سورية، أما طبق البيض فصار هو الآخر “نوعًا من التبذير”، بعدما تجاوز سعره أكثر من 700 ليرة، نتيجة قصف العديد من المداجن، وفقدان العلف الناجم عن قطع طرق الإمداد.

ولم يختلف حال هذه المواد عن غيرها، فكثير من المواد الأساسية والضرورية في السوق السورية تضاعفت لأكثر من 4 مرات، ومنها اللبنة، الجبنة، الزيتون، المكدوس، والمرتديلا.

  • “الوسطى” من أحاديث الماضي

الأطعمة ومعضلة الأسعار التي تراوحت نسب زيادتها بشكل عام بين (300- 500%) تزامنت مع ارتفاع موازٍ، شمل معظم المستلزمات الأخرى.

وبذلك يدفع المواطن الفاتورة، نتيجة التدمير الممنهج، والحرب الدائرة في البلاد، حتى إن الرواتب التي يقبضها الموظف من حكومة الأسد لم تنصفه، ولا ألوان العملة المزركشة للعامل، وذوي الدخل المتوسط، ولم تعد سلاحًا فعالًا، أمام ذلك السوق الشرس الذي يحصد الأخضر واليابس، ويرهق البلاد والعباد.

فعبثًا يحاول المواطن تخطي عتبة الشهر دون استدانة، رغم تقشفه الذي يزداد يومًا بعد يوم، ولم يعد باستطاعة الراتب تغطية أدنى مستويات المعيشة، ومن يستطيع الصمود حتى منتصف الشهر فهو “بطل من هذا الزمان”.

ويعود السبب الرئيسي لارتفاع الأسعار تغطية نفقات الحرب، رافق ذلك غياب كامل للرقابة والدعم، وحلول بعيدة عن عين الواقع، مع طبقة متوسطة كانت تشكل في حديث “كان يا ما كان” 70% من أفراد المجتمع السوري.

إن البحث في هوية الطبقة الوسطى السورية صعب، فقد أصبحت هذه الطبقة “هباءً منثورًا”، وعليه فالفكرة الشائعة في سوريا تقول إن الطبقة الوسطى يترواح دخلها ما بين 20 إلى 25 ألف ليرة (أي ما يعادل 100 – 130 دولار)، وهي تعادل تقريبًا راتب موظف حكومي من الفئة أولى.

فإذا كانت عائلة مكونة من 5 أفراد، سيكلفها إعداد وجبة الفطور الصباحي الأرخص بمكوناتها مقارنة بوجبة الغداء، وبمكونات بسيطة مثل اللبنة وزيت وزعتر وجبنة وبيض، وشاي كنوع من الرفاهية، ستكلف وسطيًا قرابة 700 ليرة، ما يعني أنها ستدفع 20 ألف ليرة شهريًا لوجبة الإفطار فقط.

  • حتى الفلافل حذفت من القاموس

“إذا فاتك الضاني عليك بالحمصاني” هكذا يقول المثل الشعبي، لكن الحمّص والفلافل والمسبّحة والفول حذفت من قاموس الفقراء.

وإذا افترضنا أن العائلة المكونة من 5 أشخاص، يحتاج كل منهم لسندويشة واحدة تبلغ تكلفتها وسطيًا 100 ليرة سورية، فإن وجبة واحدة -إذا أضفنا إليها لبن عيران أو كولا- ستزيد عن 700 ليرة، وعليه ستكلف المواطن أيضَا قرابة 20 ألف ليرة، لو اعتمد عليها كوجبة واحدة.

  • لا يصل حد الكفاف

رغم المقولة الشهيرة التي تفيد “أن المواطن السوري من أكثر الناس قدرة على التكيف مع الأزمات الخانقة”، لكن لم يعد بوسعه الصمود مع قدمين مرتجفتين بعد أن فقدت سلته الغذائية البسيطة الدعم على مدار سنوات.

من هنا تؤكد الدراسات الأخيرة أن متوسط الإنفاق للأسرة السورية المكونة وسطيًا من 5 أفراد يجب أن يصل إلى أكثر 45 ألف ليرة، وهذا يمثل الحد الأدنى للمعيشة ولا يوفر حد الكفاف.

وعليه، فإن 96% من الموظفين الحكوميين لا يغطون تكاليف المعيشة، وأكثر من 50% منهم (أي موظفي الدرجة الثانية والثالثة والرابعة ممن يتراوح دخلهم بين 10 إلى 15 ألف ليرة)، لا يستطيعون تغطية وجبة واحدة يوميًا.

  • اللحمة هدية والملابس تَرَف

تبدلت العادات الغذائية للمواطن بشكل واضح، فقد أضحت اللحمة “هدية” الشهر إن وجدت، والفروج هجر موائد الأسرة السورية وأصبح من أحاديث الذاكرة، وبات بيضه يفقس ذهبًا للتجار المستغلين.

كما تحولت الأسرة من التبضع شهريًا في أسواق الألبسة إلى التبضع في بداية الموسم من البسطات، أو محال البالة، ومن دخل إلى محل ألبسة فيعتبر من الميسورين.

بالمقابل أصبح مصروف التنقل اليومي يعادل أكثر من ربع الراتب مع زيادة تكاليف النقل 5 أضعاف منذ بداية الثورة حتى الآن، وبات من هواجس رب الأسرة، وخصوصًا لمن لديه طلاب في الجامعة والمدرسة.

ولم يكف الأسرة السورية معاناة التهجير من بيوتها، لتكتمل معها بمعاناة أجور السكن التي ارتفعت بشكل خيالي.

  • بحسبة تقارن الواقع

الأرقام والإحصائيات حملت أرقامًا متباينة عن الحد اللازم للمعيشة بالنسبة للأسرة السـورية قبل الأزمة، وعليه قدر آخر مسح لإنفاق الأسرة السورية أجراه المكتب المركزي للإحصاء في حكومة الأسد عام 2009، متوسط إنفاق الأسرة السـورية شهريًا في حينه بحوالي 30.900 ألف ليرة.

وقتها كان الدولار يعادل 47 ليرة سورية، ما يعني أن هذا الرقم قد تضاعف لأكثر من 3 مرات، وعليه فإن متوسط إنفاق الأسرة السورية حاليًا يتجاوز 100 ألف ليرة سورية.

وبمقارنة متوسط الإنفاق مع راتب موظف درجة أولى، فإن فارقًا كبيرًا وعجزًا سيسدده المواطن أو يستدينه، إذ لن يتجاوز دخله مع جميع المكافآت والحوافز 30 ألف ليرة.

  • “الوسطى” لا باقية لها

جميع هذه المعطيات تؤكد أن الطبقة الوسطى لم يبقَ لها باقية وأصبحت تحت خط الهاوية، ما يوضح أن تركيبة المجتمع تتغير وتتأثر وتتبدل، لتنتقل الطبقة الوسطى إلى الفقيرة، والأخيرة إذا ما زادت فإن اختلالًا أمنيًا واجتماعيًا واقتصاديًا لا بد أن يحدث في المجتمع السوري.

ويحلل بعض المتابعين الاقتصاديين هذا الواقع إلى سياسة ممنهجة من “حكومة الأسد” مفادها أن هذا نتيجة الثورة، وأنه لولا الثورة لم يحدث ما حدث، ما يجعل مواطنيهم يترحمون على “الأيام الخوالي” حسب رأي “حكومة الأسد”.

  • نباتي واللحمة من ذكرياتي

أصبح المواطن السوري بفضل المعادلات السابقة، ينتمي إلى جمعيات إنسانية لا تحصى، لكن دون أن يدري، فهو بمقاطعته اللحوم على أنواعها ينضم لأسباب مختلفة تمامًا إلى “جمعية النباتيين العالمية”، رافعًا المبدأ القائل “مجبرًا أخاك لا بطل” وشعار “أنا مش نباتي يا حياتي، بس اللحمة صارت من ذكرياتي”.

تابعنا على تويتر


Top