صحوة إسلامية “لا تبقي ولا تذر”

محمد رشدي شربجي

وصف حسين أمير عبد اللهيان مساعد وزير الخارجية للشؤون العربية والإفريقية أثناء اجتماعه بوجهاء من الطائفة الزيدية ما يحدث في اليمن بـ “الصحوة الإسلامية”، متمنيًا أن ينتهج تنظيم أنصار الله في اليمن نهج نظيره حزب الله في لبنان.

يبدو من كلام المسؤول الإيراني أن لبنان أيضًا يعيش الآن صحوة إسلامية، أو بشكل أدق فإنه يعيش هذه الصحوة منذ عقود، منذ أن منّ الله على لبنان بهذا التنظيم “الصحوجي”.

تكثر في الأدبيات الإسلامية استخدام مفردة “الصحوة”، وقد زاد استخدامها وراج بعد هزيمة 67، حيث مني التيار القومي العربي بهزيمة نكراء بعد أن ظل مهيمنا على الحالة السياسية العربية لقرون.

حدثت منذ ذلك الحين عودة جماهيرية باتجاه الدين، ترجم ذلك بانتشار الحجاب والنقاب بدل الميني جيب، وانحسار ظاهرة شرب الخمر، وكثرة المصلين والملتحين وغيره.

ترافق ذلك أيضًا مع ثورة البترودولار في دول الخليج، وما تبع ذلك من هجرات مليونية من كل الدول العربية إلى الخليج بداعي العمل، ومن ثم عودة هؤلاء إلى ديارهم ونشرهم للرؤية السعودية الخليجية فيما يخص الدين. عدا عن دعمٍ وتبنٍ خليجي سعودي لتيارات إسلامية متعددة لاسيما السلفية منها، خاصة في مجال الإعلام حيث ملك التيار السلفي عشرات القنوات الإعلامية.

ولكي لا نظلم التيار الإسلامي ونحصر محفزات انتشاره بأسباب موضوعية خارجة عن إرادته، فإنه من المهم القول إن التيار عمل بجد وإخلاص مع طبقات الشعب الفقيرة، من خلال آلاف الجميعات الخيرية المنتشرة.

كما أفنى أبناؤه سنينًا وأعمارًا في سجون الديكتاتوريات منافحين عن الحرية، ولا ننسى آلاف الشهداء الذين استشهدوا في معارك ضد الكيان الصهيوني.

على المقلب الآخر ساهمت إيران بعد ثورتها الإسلامية في هذه “الصحوة”، من خلال تبنيها شعار “تصدير الثورة” نحو الخارج، ومع أن إيران استبدلت عقيدة الأمن القومي بالأمن المذهبي، مع ما أحدث ذلك من حروب طائفية وكوارث لا تنتهي، فإنها ساهمت بلا شك في زيادة التدين في الأوساط الشيعية العربية لاسيما اللبنانية منها.

ويكثر إلى جانب مفردة “الصحوة”، اعتقاد أن العودة إلى الإسلام ستحل كل المشاكل التي تعاني منها الأمة العربية، بل وبشكل أدق، فإن هذه المشاكل ما هي إلا نتيجة لابتعاد الناس عن الدين.

لا يبدو أن هذا الادعاء له رصيد من الواقع شيء، فمصر بعد أن تحجبت الغالبية العظمى من نسائها، تعتبر الآن ثاني أعلى بلد في العالم في مستويات التحرش (المركز الأول لأفغانستان). والعراق الذي يعيش الصحوة، يعيشها معها وبها حربا طائفية لا يريد لها “الصحوجيون” أن تنتهي، واليمن السعيد الذي وصلته الصحوة أخيرًا يعيش على شفا حرب لا تبقي ولا تذر، وعليه قس باقي البلاد.

تسترد التيارات السياسية والفكرية في العالم العربي شعبيتها من كوارث خصومها، وعليه فالتيار الإسلامي استفاد من هزيمة التيار القومي في 67 وهو الآن يعطي خصومه بعد كل هذه الكوارث.

لقد دمر السياسيون والنخب السياسية الحاكمة الدين الإسلامي في نفوس المسلمين، وساعدهم على ذلك الدعاة المسلمون أنفسهم الذين جعلوا نفسهم مطية لهذه النخب، وبدل أن يوجهوا هذه الصحوة الإسلامية نحو التنمية واللحاق بالعالم إذا بهم يغرقون أنفسهم بالطائفية واللحاق بالتاريخ، لقد بعثوا الأموات ليميتوا بهم الأحياء.

لقد انتهت الصحوة الإسلامية التي امتدت طوال عقود خمس، وذهبت معها وعودها وأحلامها، وأوهامها أحيانًا، ورأينا الناس في عين العرب كوباني تهرب من دين الله، الذي تدعيه داعش، أفواجًا، وسنرى اليمنين يهربون من دين الحوثيين، أصحاب الصحوة، أفواجًا كذلك.

لا حل لهذه البلدان إلا ببناء بلدان ذات هويات وطنية تتجاوز الطوائف ومسميات الأقليات والأكثريات، وتركز على الوطن، الوطن المنتمي لهويته العربية الإسلامية والمتصالح مع شعبه في آن معًا.

هذه ليست دعوة رومانسية وليس خطابًا انتخابيًا، هذه ضرورة وجودية لنا ولديننا وقيمنا وما تبقى من بلداننا.

تابعنا على تويتر


Top