الثورة.. أن نستحق ما هو أفضل

Untitled-1.jpg

تحدث العديد من النقاد والمفكرين العرب عن سمات الشخصية العربية، كنوع من تفسير النتائج المنظورة لهذه السمات على أرض الواقع.

فمثلًا يعرف مالك بن نبي بتمحور كتبه حول “قابلية الاستعمار”، في عصرٍ كان الاستعمار فيه شر الشرور ومنتهى المصائب؛ لكن لو أنه عاش في عصر “الاستقلال العربي” لغير رأيه، وكتب عن “قابلية الاستعباد” في مجتمعاتنا العربية، والتي تبرز في ظواهر عديدة تهيئ الدرب لكل طاغية وظالم، وتجعل طريقه للكرسي سالكًا سهلًا ميسرًا بفضل شعبه المميز.

من أبرز تلك المزايا، الشعور بعدم الاستحقاق لدى الإنسان العربي، والأمر موجود معه مذ يولد في عائلة كبيرة، يشعر فيها أنه واحد كما جميع الأطفال فيها، تترسخ هذه النظرة بكلمة “متلك متل غيرك” وهو نوع خاص جدًا من المساواة نتميز به؛ المساواة بالتهميش.

وهكذا ينشأ الطفل في أسرة تشعره أن كل ما يناله يفوق ما يستحقه، وأن الوضع الطبيعي هو عائلات تعطي أقل لأبنائها، وأنه محظوظ جدًا بوجوده في أسرة تكفل له حق الحياة والتعليم؛ التعليم الذي يكمل هو الآخر المستوى الأعلى من دورة عدم الاستحقاق، ففي صفّ من 40 طالب يشعر الطفل مجددًا بكرم المجتمع والدولة والمدرسة إذ أتاحوا له مقعدا في مدرسة.

أيًا كان المقعد وأيًا كانت المدرسة والمعلم و”العلم” الذي يعطيه، ثمة الكثير من الأطفال لم يتح لهم ذلك؛ أنت محظوظ، أنت تحصّل أكثر بكثير مما تعطي، أنت مقصر، أنت لا تستحق.

وإن كتب له الحظ والعمر، سيكبر طفلنا وينال الثانوية العامة، فحص تحديد المصير، والمنعطف الأكثر صعوبة وقسوة الذي يختبر فيه الفرق بين رغبته، وبين ما يناله، الأمر الذي يحدد ببضعة أرقام تصدر في مفاضلة عامة.

في الجامعة مجددًا، لا يطلب سوى علامة النجاح ﻷنه لا يستحق أكثر، هو لا يستحق مناهج أفضل أو أساتذة أكفأ أو تخصصًا يشبه ما يحب ويتمنى، واقعه الحالي أعلى من سقف استحقاقه، فليحمد الله!

وحمد الله هنا من أبرز ما يتم تلقينه في دور العبادة التي تكمل بدورها المستوى المعزز من عدم الاستحقاق، أنت العبد الفقير الذليل الحقير المذنب العاصي، لو عاملك الله بذنوبك لخسف بك الأرض، أنت لا تستحق أيًا من النعم التي تتنعم بها، الأنفاس التي تتنفسها هي أكثر مما تستحق، عليك أن تمضي حياتك مستغفرًا ﻷن حياتك هي مزيج من ذنوب تقابل بها العطايا والمنح، لا تنتظر أن يتغير شيء مالم تتغير أنت ﻷنك أنت من لا يستحق، وكما تكونوا يولى عليكم.

وهنا يأتي دور الديكتاتور، المستفيد من كل ما كان، والمرسخ له، فظلمه واستبداده فضيلة يتفضل بها على الشعب، وكلامه مقدس بسلطة يستمدها من السماء، وما يعطيه لشعبه هو أكثر من كرم منه على هذا الأخير.

عندما يحكم المستبد شعبًا تقييمه لنفسه متدن لهذه الدرجة، يمكن له أن يطمئن تمامًا أن أي فعل تعسفي بحق هذا الشعب لن يقابل إلا بمزيد من الرضوخ.

ومن هنا تبرز عظمة فكرة الثورة بغض النظر عن التوقيت والنتائج، الثورة تعني أن شعبًا اكتشف ذات لحظة صحوة أحقيته في ظروف أفضل مما يعيش، أحقيته في حرية، في كرامة، بل حتى لو كانت مطالبه تتمثل بتعبيد شارع مهمل، أو تغيير رئيس بلدية، أو خفض أسعار المحروقات.

الثورة ملمح مهم على عدم موت شعور الاستحقاق لدى الشعب، لذا لم يكن من الممكن للأسد أو سواه أن يتجاهل الجموع في الشوارع، وقابل مطالبهم البسيطة وذات السقف المنخفض برصاص وقوة المتبصر بخطورة ما يجري.

اليوم بعد أكثر من 3 سنوات على بدء الثورة السورية، ورغم فداحة الثمن الذي دفعناه كسوريين، لا بد من النظر إلى هذا الجانب المهم من قبل كل من يتساءل عن صوابية الثورة.

لا يمكن أن تحقق مستوى لا تشعر باستحقاقك له، لم يكن يمكن للأمور أن تتغير سوى باستيقاظ هذا الشعور، ولا يمكن ﻷي شعب يكتشف أنه يستحق الأفضل.. إلا أن يثور.

تابعنا على تويتر


Top