التغريبة الدارانية .. عامان على هجر الديار، والمأساة مستمرة

1380189_255530227904822_342920532_n.jpg

عنب بلدي – العدد 142 – الأحد 9/11/2014

التغربيةبلال العلي – عنب بلدي

لم يكن يخطر في بال أم أحمد أن يطول غيابها عن بلدتها وبيتها في داريا ولو حتى لعدة أيام، وهي التي لم تعتد على مفارقة بيتها قبل ذلك ليوم واحد فكيف وقد امتد بها الهجر سنتين، بعيدًا عن أي أفق للعودة القريبة.

حال أم أحمد تشبه حال الغالبية العظمى من أهالي داريا الذين غادروها بعد الحملة الأخيرة قبل سنتين على المدينة، حيث كان فجر الثالث عشر من تشرين الثاني 2012 بالنسبة لأهالي داريا أشبه بنكبة فلسطين، وتغريبتهم تكاد تحمل في طياتها الكثير من تفاصيل التغريبة الفلسطينية.

حصار مفاجئ للمدينة، قصف يحيط بها من كل جانب، رعب وخوف يسودان أرجاءها وذاكرة الأهالي تعود إلى وقائع المجزرة التي حلت بالمدينة قبل شهرين.

وكي لا تتكرر المأساة، بدأ السكان ينزحون عنها جماعيًا، بهدف وحيد وهو الفرار بأرواحهم ليس إلا.

بالعودة لأم أحمد البالغة 65 عامَا، وهي نازحة من داريا إذ تروي لعنب بلدي ما حدث «متل هالأيام قبل سنتين طلعنا، قلي وقتا ابني، يا ماما خلينا ناخد معنا كم حرام، الدنيا برد، قلتلو ما في داعي يا ابني المسا منرجع».

لكنها تكمل حديثها وهي تكفكف دموعها بالقول «وهي صرلنا سنتين مهجرين من منطقة لمنطقة، ومن بين لبيت، والله بيعلم ايمت بدنا نرجع»، خاتمة حديثها بالقول «ما كنت متوقعة بحياتي يصير فينا هيك، أولادي كل واحد ببلد، ويلي بقيو هون قلبي بيبقى متل النار من الخوف عليهم، الله يحمي شبابنا، وينتقم من الظلّام، ونرجع لأهلنا وبلدنا عن قريب»

وتنقل خلود، وهي لاجئة في تركيا لعنب بلدي عن رحلة التهجير التي عايشتها مع أهلها إبان الحملة العسكرية على المدينة «بقينا محاصرين لمدة أسبوع مع بدء الحملة على المنطقة الشرقية من داريا، ومنطقتنا كانت مستهدفة بالقنص، إلى أن تم تحرير الحاجز القريب من كازية الرفاعي فجر الثالث عشر من تشرين الثاني 2012 حيث خرجنا على الفور لمنطقة أكثر أمنًا».

وتستطرد خلود في الحديث عن رحلتها مع أهلها، حيث انتقلوا بداية إلى قلب المدينة باعتبارها منطقة آمنة إلى حد ما، ليلاحقهم القصف من منطقة إلى أخرى إلى أن قرروا أخيرًا الخروج من المدينة.

لتبدأ قصة أخرى «ذهبنا من طريق الفصول الأربعة لنجد الحاجز قد أغلق في وجه النازحين، توجهنا إلى طريق صحنايا ومنعنا الحاجز حينها من العبور وطلب منا العودة إلى داريا، حيث افترش النازحون حينها الشوراع، واتخذوا الأبنية المهجورة أماكن لإقامتهم».

وتكمل «استطعنا أخيرا الخروج عن طريق أحد حواجز اللجان الشعبية»، ولم تنته الرحلة هنا حيث بدأت مرحلة النزوح بين عدة مناطق خارج المدينة و»كلما تعرضت مدينة لحملة من قبل النظام انتقلنا لأخرى، حتى انتهى بنا المقام لاجئين في تركيا».

وتتضاعف المعاناة حين يتزامن التهجير مع الفقد، وهذا ما مرت به حنان، 30 عامًا، وهي نازحة من داريا وأم لطفلين، حيث تقول «حاولنا البقاء في داريا خلال الفترة الأولى من الحملة، ولكن اشتداد وتيرة القصف على منطقتنا أجبرنا على الخروج».

وأثناء الخروج من المدينة تعرضت حنان مع زوجها وأطفالها لصاروخ كاد يودي بحياتهم، لكنهم وصلوا لمنطقة آمنة خارج المدينة.

إلا أن زوج حنان قرر العودة ليحضر بعض أثاث المنزل والأوراق الضرورية، لكنه لم يعد! ولم تستطع حنان إكمال قصتها؛ فقد اعتقل الزوج أثناء محاولة العودة، ليسلم لأهله بعد شهر من اعتقاله «جثة هامدة ليلقى ربه شهيدًا» كما ينقل أحد أقرباء حنان.

مأساة المهجرين عن داريا تشبه إلى حد كبير مآسي السوريين المهجرين من مناطق أخرى، والذين خرجوا من بيوتهم مكرهين على أمل العودة إليها خلال مدة قصيرة ولم يحملوا معهم سوى أملًا قريبًا بالعودة إلى ديارهم، ليعيشوا كل لحظة ألم الغربة والبعد عن الديار وفقدان الأحبة.

 

تابعنا على تويتر


Top