«أخوة المنهج» .. تساهم في جعل سوريا «ساحة» منكوبة

محمد رشدي شربجي

يخيم على المشهد العسكري في مدينة إدلب الحرب الداخلية بين القوى التي تصارع النظام السوري، فبعد المعارك الشرسة بين جبهة النصرة وجبهة ثوار سوريا، والتي انتهت بسيطرة النصرة على مقرات ثوار سوريا في جبل الزاوية.

عادت التوترات هذه المرة لتشتد بين جبهة النصرة وحركة حزم، حيث سيطرت النصرة على مقار حزم الرئيسية في خان السبل بلا قتال، وتبادل الفصيلان الاعتقالات وتدخلت بينهما الوساطات المحلية و»الجهادية» وغيرها على أمل إيجاد حل يحقن الدماء.

يعلم الجميع أن جبهة ثوار سوريا وقائدها جمال معروف لا يستحق من يدافع عنه، وأن الجميع يتهمه باللصوصية والبلطجة… إلخ، ولكن ما يجب أن يكون معلومًا أكثر أن جبهة النصرة لم تقرر «إلغاء جبهة ثوار سوريا» لهذا السبب.

لقد أحدث إعلان تنظيم الدولة الإسلامية للخلافة خللًا منهجيًا واضطرابًا فكريًا كبيرًا عند جبهة النصرة ومن خلفها الفصائل السلفية الجهادية، إذ دفع البغدادي الأمور إلى مداها الأقصى، وبعد أن اعتقدت النصرة، ومن خلفها تنظيم القاعدة الدولي، أن مكانتها في تمثيل الإسلام واحتكار الخطاب الديني لا تمس، جاء البغدادي ليطالبهم أنفسهم ليكونوا جنودًا مأمورين في خدمته كوكيل حصري عن الإسلام.

إعلان تنظيم الدولة لخلافته ومطالبته الباقين بالبيعة وتأصيله لذلك فقهيًا، «الانتصارات» التي حققها تنظيم الدولة في سوريا والعراق، والحرب الدولية التي لم تنجح في شيء إلا في زيادة شعبية تنظيم الدولة؛ كل هذا جعل النصرة تستشعر الخطر الداهم من «أخوة المنهج» هذه المرة، وهو ما يبدو أنه يدفعها لتعجيل خططها التي لا شك كانت حاضرة في ذهنها منذ اللحظة الأولى، منذ اللحظة التي كانت تقول فيها أنها جاءت لنصرة أهل الشام لا لحكمهم.

تمضي جبهة النصرة قدمًا على طريق إعلان إمارتها الإسلامية الخاصة بها، فبعد طول انتظار وادعاء باستفادة القاعدة في سوريا من أخطاء القاعدة في العراق، ها هم أتباع «المنهج» يسيرون على خطى «إخوتهم» بلا زيادة ولا نقصان.

وبعد أن أعلن التنظيم خلافته بأسبوعين، سربت جبهة النصرة تسجيلًا صوتيًا منسوبًا للجولاني يخبر فيه أتباعه أن «حان الوقت أيها الأحبة لتقطفوا ثمار جهادكم الذي مضى منه ثلاث سنوات على أرض الشام، وأكثر من أربعين سنة من جهاد لتنظيم القاعدة في بلاد الأرض شتى… آن الأوان لأن نقيم إمارة إسلامية على أرض الشام تطبق حدود الله عز وجل، تطبق شرعه بكل ما تقتضيه الكلمة من معنى».

ومع أن النصرة نفت إعلانها للإمارة فيما بعد ولكن نفيها كان في حقيقته أقرب لإثبات هذا التوجه منه للنفي حيث قالت بأن «الخلافة هي مشروعنا منذ البداية» ولكن «لم نعلن عن إقامتها بعد».

هكذا انطلقت بعدها مسيرة النصرة في البحث عن مكان في سوريا لتعلن منه إمارتها، فبدأت المعارك في إدلب وانسحبت من كل الهيئات الشرعية وأنشأت بدلًا منها دور قضاء.. إلخ.

بات واضحًا الآن أن النصرة ما هي إلا شكل آخر أكثر تخفيًا لتنظيم الدولة، والحقيقة أن المحاولات السابقة للتفريق «المنهجي» بينهما مدعاة للسخرية، فالنصرة انشقاق من تنظيم الدولة وكلاهما كانا من فروع القاعدة لسنوات طوال.

لقد دمر تنظيم الدولة والنصرة ومن شابههما الثورة السورية وأحالوا سوريا خرابًا، أو بشكل أدق ساهموا في تدميرها بغض النظر عن نياتهم.

في لقائه الأخيرة المنشور، استخدام الجولاني تعبير «الساحة الشامية»، عشرات المرات في حين لم يستخدم كلمة «سوريا» ولا مرة.

ليس هناك من تعبير أصدق ولا أدق من هذا التعبير، سوريا الآن ساحة فعلًا، والشعب المنكوب الذي يعيش في هذه الساحة المنكوبة، ما عليه إلا أن يكون وقودًا لمشاريع «الأوهام».

تابعنا على تويتر


Top