الإيجارات – بين قانون العرض والطلب، وحيتان السوق

-بلدي-العدد-الثاني-والعشرون-الأحد-1-تموز-2012.pdf-Page-7-image-2.jpg

 

 

جريدة عنب بلدي – العدد 22 – الأحد – 1-7-2012

 

يشكّل قانون العرض والطلب المعيار الأساسي في تحديد سعر أي سلعة في السوق، وأي اختلالٍ في العلاقة ما بين العرض والطلب تنعكس خللًا في السعر التوازني للسلعة. فعندما يزداد الطلب مع محدودية العرض ترتفع الأسعار بمنطق وقوانين السوق التي يجيد البعض التلاعب بها.

شهدت سوق العقارات في المناطق الآمنة نسبيًا ازديادًا ملحوظًا في الطلب على استئجار الشقق والبيوت، ويعود هذا الطلب المتزايد إلى قدوم  الكثير من أبناء المناطق المنكوبة كحمص وإدلب وغيرها ما أدى إلى ارتفاعٍ حادٍ وجنونٍ غير مسبوق في الإيجارات التي ارتفعت لتتجاوز في بعض المناطق ضعف ما كانت عليه قبل بضعة أشهر لاسيما بعض أحياء حلب ودمشق.

ولكن… هل يعود ارتفاع الأسعار إلى قوانين السوق أم إلى قوانين الاستغلال والجشع..؟

في تحقيقٍ نشره أحد المواقع الاقتصادية قبل أيام (الاقتصادي 28 حزيران) حول إيجارات المنازل في دمشق بدا واضحًا أن الاستغلال والابتزاز هما السمة المسيطرة على عقود الإيجار الجديدة. فمالكو الشقق السكنية وأصحاب المكاتب العقارية يسعون إلى تأجيرها لفتراتٍ قصيرةٍ فقط لا تتجاوز الثلاثة أشهرٍ وبأسعارٍ مرتفعة، ففي منطقة المزة يبلغ وسطي إيجار شقة من غرفتين سوبر ديلوكس على الأوتستراد بين 500 و600 ألف ليرة سورية سنوياً أي (50 ألف ليرة شهريًا).. فيما وسطي إيجار شقة في مشروع دمر بنفس المواصفات حوالي 400 ألف سنوياً (30 ألف شهريًا).. أما في منطقة المهاجرين فيبلغ السعر 750 ألف ليرة سنويًا.

عقد لثلاثة أشهرٍ فقط يعكس الإدراك التام لأصحاب العقارات لظروف المستأجر وعدم قدرته على الالتزام بدفع الإيجار الشهري لفترةٍ طويلةٍ وهو القادم من مناطقَ منكوبةٍ، وقد ترك وراءه كل مايملك بين أيدي الشبيحة لتباع في سوق المسروقات..!

عقودٌ كهذه وبأسعارٍ خياليةٍ تقوم على الربح السريع ومبدأ “اضرب واهرب”..  فصاحب العقار ليس مجبرًا على الالتزام بعقدٍ لمدة سنةٍ وهو مدركٌ تمامًا أن المستأجر ليس قادرًا على الاستئجار لعامٍ كاملٍ نظرًا لظروفه، أما صاحب العقار أو صاحب المكتب العقاري فيدرك تمامًا الظروف الحالية ومايجري من أحداث إلا أنهما –في كثير من الاحيان- لا يفهمانها إلا فرصةً ذهبيةً لجمع حفنةٍ من الليرات في وقتٍ جمدت فيه الأسواق نتيجة ظروف أمنية واقتصادية لاتحسد عليها سورية..!

فما الذي يعنيه استغلال حاجة الناس في مثل هذه الظروف..؟

إن أبناء المناطق المنكوبة الذين أعلنوا ولاءهم المطلق للوطن وكرامته وحريته وقدموا كل مايمكلون وضحوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل حريتنا جميعًا باتوا يعيشون بين فكي قذائف النظام وأنياب حيتان السوق الذين لم تعرف قلوبهم ونفوسهم سوى الجشع والطمع وهم البعيدون عن كل خلقٍ كريمٍ أو حسٍ وطنيٍ أو وازعٍ ديني. كما أن الجزء الأكبر من هذه الايجارات يدفعها الناشطون ولجان الإغاثة المنتشرة في كل مكانٍ من أموال التبرعات التي يقدمها السوريون في الداخل والخارج. إن ذلك يشكل عبئًأ متزايدًا على لجان الإغاثة التي تعاني الكثير نتيجة نقص الموارد والتبرعات مما يتطلب المزيد من الدعم لهذه اللجان لتكون قادرة على أداء المهمة التي تصدت لها بأفضل مايمكن.

إلا أنه ينبغي علينا ألا ننسى أيضًا الجانب المشرق من الصورة، فمقابل هذه الحيتان تسبح كثير من الاسماك وإن كانت قليلة العدد إلا أنها كبيرة وكثيرة بإنسانيتها وحبها لوطنها، هؤلاء الذين فتحوا قلوبهم قبل بيوتهم ليستضيفوا من أجبرته الظروف على مغادرة بيته وبالمجان حتى ولو كانوا بحاجة لإيجار البيت. هؤلاء لايعرفون قوانين السوق وبعيدون عن منطق الربح والخسارة فهم يعملون وفق قوانين الإنسانية والوطنية وهم رابحون على الدوام.

علينا جميعًا أن نكون أسماكًا صغيرة نسبح معًا في سربٍ واحدٍ وإلا التهمتنا أسماك القرش وحيتان السوق واحدًا تلو الآخر….

 

 

تابعنا على تويتر


Top