أزهار تقتل بين المغتصب والمجتمع

-بلدي-العدد-الثالث-والعشرون-الأحد-8-تموز-2012-دقة-عالية.pdf-Page-10-image-2.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 23 – الأحد – 8-7-2012

  من مشاركات القراء

  تقف فتاتنا ذات الخمسة عشر ربيعًا على شرفة المنزل تتأمل الشارع تحت بيتهم.. نعم المسافة مناسبة، فقد حسمت قرارها..

جراحات ذلك الحادث لم تلتئم بعد، ولو أنها ألتأمت جسديًا ولكن وقعها النفسي أعمق من أن تشفى بسهولة.

يمر بها شريط الأحداث سراعًا.. لحظة اختطافها، تلك الغرفة النتنة حيث تفوح رائحة الإجرام، مقاومتها.. وما قوة فتاة في الخامسة عشر أمام خمسة وحوش خلقوا على هيئة بشر، تتذكر كيف خارت قواها تحت وطأة مصارعتها لأفكار ومشاعر اللحظات العصيبة التي تمر بها حتى فقدت الوعي، تناوبهم عليها، لتحمل ذكريات بصور باهتة ولكن يبقى الواضح منها آلامها وآلام ما قد تلاقيه من مجتمعها ما ينوء بحمله الجبال.

تصل في ذاكرتها إلى لحظة دخول منزلها بعد تلك الحادثة .. كتلة من الآلام والهموم والعار ستكون عبئاً على أسرتها .. تقارن بين إستقبال الأسرة لها وبين أستقبالهم لأخيها الذي عاد من إحدى المشافي الميدانية بضمادات تلف جرحاً خلفته رصاصة صارت مصدراً لتباهي الأب والأم ببطولة ابنهم، وكيف كان استقبالهم للمهنئين بسلامته، وتشجيعهم له بالعودة إلى حياته الطبيعية..

أما فتاتنا ما كان في إنتظارها إلا ويلات الأم وتحذيرات الأب من أن ينتشر الخبر، تحاول الأسرة التستر على حادثة إغتصابها بكل الوسائل، فمنعت عنها زيارات الأصدقاء والخروج من المنزل، ظناً من الأسرة بأن ذلك يصون لهم السمعة والشرف .. حتى زيارة طبيب للكشف عن إذا ما تعرضت لخطر أو مرض قد يكون انتقل إليها من حادثة الإغتصاب لم تسعى له أسرتها..

تختمر فتاتنا الآلام في نفسها، فلا تجد من تبثه شكوى معاناتها، ولا من تلقي إليه بعض همومها، بل يزداد عمق جرحها كل يوم من ألسنة جيرانهم.. يعظم الألم حتى يكاد جسدها الغض يتمزق به .. لتتخذ قرار إنتحارها هرباً من عالم لم يفهم مصابها ..

في سوريا اليوم عمليات الإغتصاب التي تستخدمها ميليشيات الأسد هي سلاح لإذلال المجتمع ككل ولكن للأسف يكون وقعها على جسد فتاة ما، فلنعلم جميعاً أنه عندما تتعرض فتاة لعملية إغتصاب بأننا نحن من تعرض لهذا الإغتصاب، ومن واجبنا جميعاً أن نقف معها حتى تتعافى وتعود لحياتها الطبيعية فهي وقعت ضحية لعمل يستهدف قضية نحن مسؤولون عنها جميعاً ..

في قضية الإغتصاب علينا التعامل مع ثلاثة عناصر:

– الأول هو الفتاة التي تعرضت لحادثة إغتصاب: فيجب العمل على توفير العلاج الجسدي والدعم النفسي الملائم وفق منهجيات مدروسة موضوعة من أهل الإختصاص، على أن يتم تأسيس لجان أو جمعيات أهلية مسؤولة عن الدعم النفسي تأخذ التدريب المناسب لمعالجة مثل هذه الحالات، فما زالت سوريا إلى اليوم تعاني نقصاً في مثل هذه الكوادر.

– الثاني هو المجتمع الضيق للفتاة التي تعرضت لحادثة الإغتصاب (الأسرة): هنا يجب توعية الأسرة على ضرورة إخراج الفتاة من عزلتها التي تعيشها بعد الآثار النفسية للحادث، وبضرورة تشجيع الأسر لدفع الفتاة لتوثيق حادثة الإغتصاب لدى المنظمات الحقوقية كي لا تضيع الفرصة برد حقوق المجتمع بمحاسبة المجرمين.

– الثالث هو المجتمع الواسع الذي تنتمي إليه الفتاة: هنا يجب العمل على ترسيخ فكرة فصل حادثة الإغتصاب عن شخص الفتاة، وإعتبار أن حادثة الإغتصاب هي مماثلة لحادثة تعرض شاب لرصاصة أو أي خطر آخر، يجب ترسيخ فكرة أنها فتاة عادية قادرة على العودة للحياة الطبيعية بعد العلاج المناسب، ومن وجهة نظري لا أرى بتبرع الشباب للزواج من (المغتصبات) حلًا للمشكلة، بل يجب علينا جميعًا أن نرفع صفة المغتصبة عن أي فتاة تعرضت لحادث إغتصاب لتعود لحياتها الطبيعية وأن يتم الزواج منها كما يتم الزواج من أي فتاة أخرى وفق المعايير السائدة في المجتمع.

وعلينا أن نتذكر أن آلام الإغتصاب النفسية التي تأتي من المجتمع أشد وطأة من آلام حادثة الإغتصاب نفسها جسدياً ومعنوياً معاً.

يبدو الكلام السابق ليس بالسهل، ولكن الثورة اليوم هي فرصتنا لإعادة ترتيب وصياغة المفاهيم، فالمعادن عندما تتعرض للنار يصبح تطويعها أسهل، وكذلك نفوس وأفكار البشر في أوقات الشدائد تصبح أكثر قابلية للمراجعة والتمحيص والتعديل..

تابعنا على تويتر


Top