النصف الممتلئ من كأس ثورتنا

-المليء-من-ثورتنا.jpg

عنب بلدي – العدد 147 – الأحد  14/12/2014

بيلسان عمر – ريف دمشق

النصف المليء من ثورتناانتشرت خلال ثورة كرامتنا ظاهرة المدن الشهيدة، واستشهاد بعض أهلها، وتهجير بعضهم الآخر، واعتقال آخرين كثر، وحصار من تبقى فيها، إلا أنها ستبقى شاهدة على همجية النظام، ولن تموت رغم جراحها، فهي التي شجعتنا أن ننظر إلى النصف الممتلئ من كأس الثورة، إلى ذاك الجانب الإيجابي، لنشارك في إبعاد العتمة عنه، بل وأكثر من ذلك في إضاءته علّ هذا الكأس يمتلئ فنشرب نخب نصر ثورتنا.

ما زالت الثورة، وما زالت ترتقي بأبنائها نحو الصفوة، فكل يوم نعاين حالات إنسانية تعجز أرقى الجامعات عن الإتيان بطرق تعلمنا بها آلية التعامل مع هذه الحالات، فباتت الثورة الميدان العملي لنا، بعيدًا عن التنظير وآلاف المحاضرات التي كتبت بالجانب الإنساني حبرًا تحول اليوم مع الدم إلى واقع ملموس، وأمسى لكل واحد منا نموذجه الخاص دونما تقليد أعمى، وبدأ كل واحد يكتشف ذاته، ويوظف قدراته في الارتقاء بنفسه، وأصبح التنافس على الرقي حليفنا، فظهر المسعف والإعلامي والكاتب والجندي والمصمم والمحرر وآخرين كثر، دونما سابق تخطيط منهم، فتخيلوا معي كيف سيزدحم مجتمعنا بأناس مخلصين يطورون قدراتهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

فها هي خيرية الأمة تظهر كل يوم في مجال، انطلاقًا من الجانب الإغاثي، وصولًا إلى حماية الجبهات، والتمسك بمبادئ الثورة عند كثر لا ننكر وجودهم، كما وأظهرت الثورة كثرًا آخرين على حقيقتهم، فسقط القناع، ولم يعد النفاق ذاك المرض المستعصي، فقد كشف المذبذب، ووضعت آليات لاستئصال أعوانه ومن يلف لفه.

وازدحم هذا النصف من الكأس أو ربما أكثر بقليل ليس فقط بالنخب وسقوط الأقنعة، وإنما أيضًا بالتحرر من الخوف، فقد عشنا حياة ليست بقصيرة نهاب المجهول، دونما أن ندري ما سبب خوفنا، فمثلًا هل نهاب في سوريا التنوع الطائفي، أم وجود أحزاب سياسية مختلفة التوجهات، أم نهاب الحاكم نفسه وحاشيته، وحتى المشاركة الشعبية كنا نضع لها أطرًا نخاف الانخراط بها، أما في ثورة كرامتنا فقد خرجنا بصدور عارية، وواجهنا قوى النظام حاملًا سلاحه من الغازات المسيلة للدموع إلى حروب الأنفاق، مرورًا بالعصي الكهربائية والاعتقال والتعذيب حتى الموت، والرصاص والقنابل والصواريخ والبراميل المتفجرة والسلاح الكيماوي، من غير أن نخشى هذه الأسلحة، مقدمين أرواحنا ثمنًا لما خرجنا لأجله.

وكل يوم الكأس إلى مزيد من الامتلاء، وبذات الوقت لا ننكر وجود أخطاء في ثورتنا، فنحن لا ندّعي الكمال، فالكمال لله وحده، وبين الكمال والإنسان تلال ويفاع، فإن حالفنا النصر فبتوفيق من الله، وإن كبا فكر الثورة، فما ذاك إلا لعجز منا أو تقصير، ومع ذلك فتبقى ثورتنا قابلة للإصلاح، فكم من نظرية اختلقها النظام عن المقاومة والممانعة أسقطتها الثورة، وكم من خلق سيء اعتدنا عليه بحكم رتابة مؤسساتنا وها نحن نجتنبه دونما أن نقع في شركه، فنحن الشعب من يريد، ونحن من يقرر، ونحن نحدد ماذا ومتى نقرر.

ومع استمرار أملنا لذاك الكأس بالامتلاء، وبالرغم من طول مدة ثورتنا الزمنية، ولكن لننظر إلى جانب آخر، فمثلًا استمرار تواجد المظاهر السلمية في مدن عديدة رغم عسكرة جميع الأطراف، والاعتماد مرة أخرى على القدرات الذاتية الكامنة بعيدًا عن التدخلات الخارجية في ظل خذلان العديد من الدول، مستخدمين ما أمكن من وسائل تقنية بروح شبابية مخلصة، وحتى بعيدًا عن نسب ثورتنا لأي حزب أو توجه فكري محدد.

وها قد اجتمع أفراد الشعب لملء كأس الثورة، دونما تفاضل أحدهم على الآخر، ونادى الكل لتحقيق حلمهم بدولة مدنية، وكان أكرمهم في الثورة أكثرهم إخلاصًا وإيثارًا لمبادئها على أهدافه الشخصية، فقد أسقط وعي الثوار كل المراهنات على فشل ثورتنا لأسباب طائفية أو دينية أو قومية كما يدّعي النظام، وما زال نصف الكأس إلى مزيد من الامتلاء، ولكن أنت تُراك لأي نصف ناظر؟

تابعنا على تويتر


Top