نحو ثورة اجتماعية شاملة

بعيدًا عن الأبراج العاجية

20.jpg

حنين النقري – دوما

أحد الأمور الواجب التنبّه لها في مجتمعنا وتغييرها، هو ابتعاد النخب عن العامّة وعن واقعهم، وغياب دورهم الفعّال العملي عن المجتمع بكافة أطيافه… كم خَبِرت هذا الأمر وبدا لي  ملحًّا أثناء إقامتي في الريف، وبشكلٍ خاصٍ، لدى احتكاكي مع بعضٍ ممن تفاجأت بأن حياتهم مهمّشةٌ ﻷبعد حدّ، وكأنهم على كوكبٍ آخر يعيشون…

لا أقصد بكلامي هذا جميع أهل الريف بالتأكيد، بل فئةً محددةً تعاملت معها وحاولت استقراء مشكلاتها عن قرب..

• الأمية منتشرةٌ بين الصفوف بشكلٍ كبيرٍ نتيجةً لتنقّل البعض المستمر من مكانٍ ﻵخر بحثًا عن رزقٍ أو عن مرعىً ﻷغنامه مما يعني صعوبة الالتزام بمدرسةٍ واحدة وجوٍ تعليمي ثابت..

• عدم توافر الخدمات الصحية بشكل كافٍ يعني انتشار مشاكل صحّية متفاقمةً ومزمنةً كان من السهل القضاء عليها في مهدها، كشلل الأطفال، الكساح، الخلوع الولادية، أمراض العيون والجلد… فيما لو توافرت تلك الخدمات.

• عدم معرفتهم بحقيقة ما يجري في البلد -بغض النظر عن الخوف- نتكلم هنا عن أفراد لا يعلمون ما يجري، غير مكترثين بحقيقة ما يجري، ولا رأي لهم بما يجري من حولهم، ﻷنهم ببساطةٍ لا يشعرون بالانتماء لهذا المجتمع، فجُلّ همهم ألا تسقط قذيفةٌ ما على خيمتهم أو بيتهم أو على مرعى أغنامهم فهذا هو وطنهم الحقيقي المعنيون به!

• العيش بعيدًا عن المجتمعات، وعدم الانتماء لها، يجعل التمسّك ببديهيات حضارية أمرًا مستبعدًا، فمثلًا.. معظم أطفالهم يتراكضون بشكل عارٍ أو شبهِ عارٍ إلا مما يستر عوراتهم أو يحميهم على الأقل من البرد والحر والحشرات… أتكلم هنا عن اللباس كسلوك حضاري غائب نتيجةً للعيش في مجتمعات منعزلة والفقر، وهما جانبان بحاجة للتوعية وإيجاد حلول..

• دينيًا، الوضع غاية في التأزم -كباقي الزوايا الأخرى- وكم بدت لي حاجتهم إلى دعوة جديدة للإسلام وتعريفهم بأركانه الأساسية، فهم لا يعرفون منه سوى شهر الصوم، ولا معرفة لديهم بالحقوق ولا بالواجبات، مفاهيم الدين الأساسية غائبةٌ عندهم كلّيا ليس نتيجةً لإهمالها أو تجاهلها، بل لعدم معرفتهم بها!

لا أتكلم هنا عن مخلوقاتٍ تعيش خارج هذا الكوكب، بل عن أشخاصٍ مثلي ومثلك، من لحمٍ ودمٍ، رائعين بفطرتهم وبساطتهم وحبّهم للخير، لكنّهم لا يتمتعون بأدنى حقوقهم الإنسانية على هذا الكوكب، ولا بأقل حقوقهم الإجتماعية في هذا الوطن…

لا أريد أن أقرع أبواب النخب والمثقفين ليصلحوا مجتمعًا هم أبعد ما يكونون عنه، فهم لم يباشروا الاقتراب من مجتمعاتٍ أكثرَ وضوحًا وقربًا ومشكلات أظهر للعيان من هذه..

بل الكلامُ موجه لنا معشرَ الشباب، طلبة الجامعات وأصحاب المعرفة…

كم سيكون رائعًا لو شكّلت مجموعاتٌ تهتّم بأمور هذه الفئات المغيّبة، تزورها وتتردد عليها حيث تقيم، بمواعيدَ أسبوعية ثابتة…

لجان منظّمة تطوعية لها مراكز محددة في الأرياف بمواعيد محددة يعلن عنها، يقصدها من يحتاجها وتكون قريبة من مكان إقامته، تهتمّ حقيقة بمشكلاته وتشعره بالاهتمام والمواطنة والانتماء، وتنظيم مجموعات تعليمية جوّالة، طبية، وتثقيفية إرشادية، تزورهم بمواعيد ثابتة.. الاهتمام الطبّي وتقديم النصح والإرشاد، التعريف بحقوقهم كمواطنين وواجباتهم، التوعية الاجتماعية، محو الأمية وإيجاد حلولٍ تعليميةٍ في المدارس لطبيعة حياتهم القائمة على التنقّل والترحال، الاهتمام بهم دينيًا وشرح الدين بشكل مبسّط لهم. وقد طُلب منّي شخصيًا ومن أكثر من شخص أن أشرح بعض القضايا الدينية التي يعلمها طفلٌ بعمرِ العاشرة في مجتمعاتنا ومدارسنا…

معاشرَ الأطباء، طلبة الطب، المعلّمين، المثقّفين، العلماء…. لا تبقوا في عياداتكم، مكتباتكم ومكاتبكم، أمام أجهزة الحاسب الخاصة بكم، على منابركم لاتبقوا هناك فثمّة واقع يحتاج جهودكم، يحتاج منكم أن تتجهوا إليه، أن تقتربوا منه لتحلّوا مشاكله وتنشروا الوعي فيه. خصّصوا بعض الوقت، ولو القليل منه، لهذه الفئات، صدّقوني ستتعلمون منها الكثير. لن يكون عطاؤكم بلا مقابلٍ، فهؤلاء منجمٌ للخبرة العملية والحياتية، وفرصةٌ للتمرّس باختصاصاتكم ومواجهة مشاكل وتحدّيات من نوع مختلف…

أفرادٌ لهم الحقّ في رقابنا جميعًا، يشاركوننا أرض الوطن، وتظلّهم سماؤه، لكنهم لا يشاركوننا ما عدا ذلك مما لهم حقّ ونصيب فيه…

المهمّة صعبة، أدري…. لكنّها ليست بالمستحيلة.

تابعنا على تويتر


Top