داريا “الثورة”، نموذج سلمي مميز وعمل عسكري استراتيجي

داريا، المدينة ذات المئتي ألف نسمة والموقع الإستراتيجي المميز، كانت من النقاط الأولى التي اشتعلت فيها شرارة الثورة في سوريا، بعد درعا ودوما وبانياس. كان نموذج الثورة السلمية في هذه المدينة ملفتًا للنظر، ففيها خرجت مظاهرات الورود، وفيها أُهديت زجاجات الماء والورد لجنود النظام، في محاولات متكررة لكسبهم لصف الثورة ولإفهامهم حقيقة الأمور. كانت مظاهرات هذه المدينة ولازالت مستمرة رغم كل محاولات النظام القمعية والوحشية منذ أكثر من سنة ونصف، كانت تزيد وتنقص ولكنها لم تقف أبدًا، فهناك قناعة عامة أن داريا لا تسقط النظام لوحدها، ولكنها تعتبر دومًا دافعًا لغيرها من المدن على المضي بالثورة. فمن يراها منذ شهور طويلة لا تهدأ ولا تفتر ولا تتعب، فمن المؤكد أنّ الثورة ستشتعل بين أركانه، إن كان شخصًا أو مدينة. هذه المدينة (داريا) استطاعت أن تُؤوي المئات من العائلات النازحة من المدن السورية المدمرة كحمص وغيرها، واستطاعت أن تمنع حالة النزوح لأهالي المدينة أنفسهم بفضل سياسة استراتيجية اتبعها ناشطي الثورة والجيش الحر. فرغم الأخطاء التي ارتكبت من بعض مجموعات وأفراد الجيش الحر، وبعض العمليات والإشتباكات الفردية الغير مدروسة، إلاّ أن هناك اتفاق ثوري بعدم التصعيد العسكري في هذه المدينة، لأنّ القناعة الموجودة تقول أن أي تصعيد عسكري في المدينة سوف يؤدي بها لحالة مشابهة لأي مدينة منكوبة ومدمرة في سوريا.

في الأيام والأسابيع الأخيرة كان التزام الجيش الحر بعدم التصعيد وردّ الفعل لافتًا، فلم يطلق رصاصة واحدةً في الوقت الذي كان موكب الأمن والشبيحة يصول ويجول في داريا ويملأ سمائها بالرصاص، وكان يحاصر عددًا من المساجد الممتلئة بالمصلين، ولو حدث أي رد فعل من قبل الجيش الحر ضد قوات النظام، لحدثت مجزرة مروعة في المدينة.

تشكلت قناعة مع الأيام أن داريا لوحدها أو دوما لوحدها أو أي مدينة أخرى لن تكون لها القدرة على الحسم، ولكن الحسم سوف يكون في دمشق، وفي دمشق حصرًا. لهذا السبب بالذات التزم الجيش الحر بخطة استراتيجة محورها حماية الثورة السلمية، والقيام بأعمال تهدف لبث الرعب بين قوات وميلشيات الأسد، والتركيز على العمليات النوعية التي تقض مضاجع النظام.

هنالك حالة في داريا ربما لا تكون موجودة في كثير من المدن السورية، حالة من التناصح والنقد البنّاء لأي عمل يتضح أنه يكبد المدينة أخطار فادحة، حالة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغالب الأطراف تسمع وتتقبل النصيحة، وبعضها يتدرب على ذلك، والأهم أن الكثير من الناشطين لا يتوانون عن نقد الخطأ مهما كلفهم ذلك، فمصلحة مدينتهم وثورتهم أهم من أي اعتبار آخر.

تابعنا على تويتر


Top