مثقف يا كلب!

ثقافة العاصمة في عهدة «وزارة السخافة»

-من-سخافة-الثقافة-في-دمشق.jpg

وظيفة الصحفي والناقد (الساخر والجاد) أن يقرع جرس الإنذار في الآذان عندما يسمع كذبًا، وأن يسلط الأضواء على الأخطاء والتناقضات، وأن يفتح العيون باتساعها على البشاعة لكيلا تألفها، لكنه اليوم بلا عمل رغم وفرة الأخطاء وهول التناقضات، ربما لأن الأمل، رافد السخرية، انكمش وغاب، ولأن السخرية تحمل في داخلها تناقضًا رياضيًا ظاهريًا، فكلما كانت صارخة أصبحت عصيّة على حنجرة الساخر، وكلما كانت ساطعة بدا معها ضوءه باهتًا كلهب ولاعة سجائر.

تقول سارة (19 عامًا) إنها ذهبت بعد دوامها في كليتها (طب الأسنان) إلى مكتبة الأسد لتتقدم بطلب رسمي للمشاركة في مهرجان الشعر، الذي أعلنت عنه وزارة الثقافة في صفحة نشاطاتها على «الفيسبوك»، لكن البوّاب سألها عن سبب مجيئها ثم أخبرها أن الموعد انتهى والتسجيل توقف، بينما تؤكد سارة أن موعد الدعوة لم يكن قد انتهى بعد.

غاضبةً، ذهبت سارة مع زميلها إلى وزارة الثقافة، في حي الروضة، ليخبرا المسؤولين هناك ويتقدما بطلب التسجيل، شخص آخر غاضب هناك، سألوه أين بالتحديد وزارة الثقافة، أجاب «إذا سمحتوا قولوا وزارة السخافة»، وذلك قبل أن يرشدهم إلى الطريق.

في الوزارة، تقول سارة، إن الموظفين أخبروها أنهم لم يسمعوا عن هذا المهرجان.

أقيم المهرجان في دار الأوبرا (دار الأسد للثقافة والفنون) في الثاني والعشرين من كانون الأول المنصرم، ونقله الإعلام الحكومي في سياق «اهتمام» وزارة الثقافة بالشعر والثقافة، تضيف سارة لعنب بلدي مستنكرة «أليست مهزلة حقيقية؟ لماذا تم تهميشنا وتجاهلنا؟ هل الخطأ من الموظفين أم من المسؤولين الذين يعتبرون أي ثقافة لا تخرج من أبواقهم عدوًا قوميًا للوطن».

حادثة كهذه، لو حدثت في مكان آخر لكانت كتبت عنها مادة صحفية هامة واستدعت التحقيق واستقطبت القراء والاهتمام، ولكنها هنا لا تستقطب إلا الملل والرتابة.

ماذا بوسع ناقد أن يكتب في «مهزلة» شديدة الوضوح كهذه؟ ماذا بوسعه أن يقول مثلًا أمام لوحاتٍ علقتها وزارة الثقافة في ساحة الأمويين، سقطت اثنتين منها، وبقيت الثالثة التي كتب عليها «الثقافة هي الحاجة العليا للبشرية»، وخلفها تمامًا دعوة لحضور حفل «الفنان» إسماعيل أوطه باشي.

كيف بوسعه أن يعبر عن «سخافة» الواقع الذي تتجلى إحدى صوره في «منطقة المزة» مقابل سكن طلاب الجامعة، حيث يمكنك أن تجد سبع عشرة مصففة شعر وعشرات محلات مساحيق التجميل والوجبات السريعة، ولا تجد مكتبة واحدة. إنها سخرية أعلى صوتًا من صوت ناقدها.

كيف يعبر عن الكوميديا التي تأخذ منحى رثائيًا حين يتحدث الإعلام الرسمي عن دمشق كحاضن جغرافي واجتماعي للثقافة والإبداع، في حين يندر أن تجد ناد ثقافي أو اجتماعي أو مكتبة تقرأ فيها أو مسرح أو صالة سينما تحترم ذوق المشاهد وترأف بجيبه في وقت واحد.

يقول أبو فاروق، صاحب دار نشر في الحلبوني، «توقفنا عن الطباعة والنشر منذ مدة، فالناس لم تعد تهتم بالثقافة، ما عاد حدا فكر يقرأ أو يشتري كتاب»، بينما ترى سلام (21 عامًا) وهي طالبة هندسة أن «الفن الهابط ينتشر لأن الناس فسدت ذائقتها الفنية».

أما هند (طالبة إعلام) فتقول لعنب بلدي «ليس صحيحًا أن هذا هو الذوق السائد، وأن الشعب تدهورت صحته الثقافية من تلقاء نفسها وتعفنت ذائقته الشعرية (من عند الله) فالدمشقيون من أرهف الناس أذنًا في سماع الموسيقا ومن أشدهم إحساسًا بالشعر على مر التاريخ، ولكن الذوق ليس شأنًا مستقلًا عن وجود الإنسان بل هو تربية وتنشئة»، وتضيف أن المسؤول هو الدولة، فهي «لم تغسل يديها من تربية ثقافة الشعب وتتركها فحسب، ولكنها قوضت أيدي المربين ولاحقت الشعراء وكسرت أصابع الرسامين وتوضأت بدماء المفكرين، ومضت في عملية ممنهجة لتشويه الناس من الداخل».

بوّاب مكتبة الأسد كان أجاب بواقعية بسيطة حين سئل عن قلة الإقبال على المكتبة وندرة النشاطات الثقافية قائلًا «الوضع الثقافي مرهون بالوضع السياسي وتابع له، ولا مكان لرفاهية الثقافة أمام بؤس الواقع»، سائلًا «بربك من سيرغب بحضور أمسية شعرية على موسيقا المدافع».

لا يمكن اعتبار الثقافة أنها «رفاهية»، وإقبال الناس على أمسية شعرية أو أدبية أو عمل فكري هو مؤشر نفسي واجتماعي وثقافي خطير، خصوصًا في مرحلة كهذه، والذين يستهينون به لا يعرفون شيئًا عن تاريخ الحضارات ولا عن وظيفة الشعر أو الأدب أو الثقافة.

يقول رشدي (طالب هندسة، 24 عامًا) الذي اعتزل النشاطات الثقافية في سوريا كلها حفاظًا على نظافة حواسه، كما يقول، «الثقافة أصبحت عملًا من صميم أعمال المباحث، والصحافة تصدر من أقبية فروع الأمن، والإعلام من أبواق رجال السلطان، والفن من شبيحة الأسد أو من والاهم، ولا أريد أن ألوث حواسي بتفاهاتهم».

«مثقف يا كلب؟» هذه أول عبارة خطرت على بال هبة (20 عامًا، كلية الشريعة) حين رأت اللافتات التي تشيد بالثقافة في ساحة الأمويين، تلك العبارة التي صرخ بها ضابط المخابرات في أذن الدكتور «براء السراج» في الثمانينيات حين اعتقله وبيده كتاب، والتي رواها في كتابه «من تدمر إلى هارفرد».

الوضع الثقافي مرتبط بلا شك بالوضع السوري عمومًا، لكن عندما تفكر الدولة بالثقافة فهذا يعني أن قلبها لايزال ينبض بصورة طبيعية، وأن نبض قلب شعبها يهمها ويعنيها، وأنها تريد أن تفعل شيئًا، والدرك الأسفل الذي وصلت إليه الثقافة هو دليل أن من يتولى شأن الثقافة لا وجدان له.

قد يكون إهمال الثقافة وازدراؤها كوميديًا مأساويًا في أي مدينة، ولكنه في دمشق تراجيدي، يصل إلى ذروة مأساته لأن دمشق لا تهتم بالثقافة والشعر والأدب فحسب، بل هي بذاتها حالة شعرية على شكل مدينة ولأن الثقافة ليست فاكهتها بل قمحها وخبزها.

تابعنا على تويتر


Top