ثورة مبصرة، لا تمرد أعمى

لم تعد الحرية مطلبًا سياسيًا جماهيريًا فحسب، ولم تعد الثورة مقتصرة على السلطة السياسية الحاكمة، بل امتدت اليوم لتكون حرية كاملة شاملة ولتنتزع استقلالها من كل سلطة تمارس ضغطًا على عقول الناس أو أرواحهم أو حياتهم سواء أكانت سلطة الوالدين أو المشايخ أو الثقافة أو المجتمع أو غيرهم، يمكننا أن نلاحظ ذلك من الحوارات التي تجري بين الناس أو على وسائل الإعلام ويمكن معاينتها عن قرب أكثر وبزخم أكبر على الشبكة العنكبوتية، تلك الحوارات التي لم تعد فاكهة المجالس بل خبزها وزيتونها.

يعتقد البعض أن الشباب الثائر حين شعروا أنهم يخسرون معركتهم السياسية، وجهوا بنادقهم إلى جبهات أخرى لينتقموا لهزيمتهم ويصبوا غضبهم على كل ما تقع عليه يدهم من ثقافة أو فكر أو دين، لأجل التمرد والانتقام. وهذا تحليل غير منصف علاوة على أنه سطحي.

التاريخ يقول إن لكل ثورة سياسية ثورة تمهد لها، وأخرى تولد من رحمها.. الفواصل الزمنية ليست مهمة، والمدة غير محددة سلفًا، قد تتداخل الأزمنة فتسبق الثورة ابنتها أو تكبران معًا، لكن كل ثورة لتكتمل لا بد لها من رحمين، ومن أم وابنة.

وهذه الثورات على مختلف الأصعدة التي رافقت الانتفاضة في العالم العربي مؤشر على أن الثورة تسير في خطها الصحي الصحيح، وعلامة على عنفوان الروح الشابة الثائرة، ودليل أن الخسارات والهزائم التي تتالت أمام مرأى الثوار لم تعرّهم من رغبتهم المتوقدة الجامحة للتغيير، ولم تكسر نفوسهم، بل جعلتهم يدركون أنه حين يتحدث المرء عن الثورة، فيجب أن يحسها في أعماقه ويمارسها في تفاصيل حياته، وأولها في التخلف الذي ينام في الأعماق كالبرك الآسنة والذي ترعرع الفساد فيها فأنجب الطغيان والديكتاتوريات.

بهذا يمكن أن تبدو الأمور أكثر وضوحًا في سياقها وأن تحمل لنا أملًا طال انتظاره.

المجتمع اليوم بأمس حاجة إلى ثورة اجتماعية واعدة سلمية بغير لون الدم، تنقله من وضع إلى آخر وتفتح له آفاق مستقبل جديد أفضل، يستحقه ولكنه لا يعرف ذلك، مما يصعب المهمة، وهذا بحاجة إلى ثوار حقيقيين، شجعان في الدرجة الأولى وحكماء في الثانية والثالثة.

الحماسة والعنفوان الذي يتقد به الثوار الجدد والذي يحرك رغبتهم للتغيير ودفع ثمنه، أمر يدعو للتفاؤل بل هو التفاؤل عينه، لكن المقلق في الأمر أن المنطق الذي يقود هذا التغيير الثوري هو منطق التخلي عن كل شيء، وقطع الصلات بالماضي لمجرد كونه ماضيًا، وعداء لثقافة المجتمع وتمرد كامل عليها بلا مبالاة، منطق يريد هدم كل شيء، هكذا، بضربة واحدة مرة واحدة، كضرب من الجنون.

هذا الكلام ليس ضد الجنون أو المجانين، فالجنون والإبداع كثيرًا ما يلتقيان، ولكنه ضد منطق القفز من نوافذ التاريخ دون مظلة، ضد كسر البيضة بالفأس، ضد الانتقال من «النظام» مهما كان ملوثًا، إلى العبث والفوضى واللانظام.

فكل ثورة لا بد أن تحمل نظامها ورؤاها معها وإلا سابت وانفلتت وأصبحت عملًا من أعمال الفوضى والتسيب، وتحوّل ثوارها إلى منفيين وقطاع طرق.

فالأشكال والأنماط والقوالب (الاجتماعية والثقافية والدينية) التي أصبحت أشبه بقيود صدئة لا راحة معها ولا روح فيها، هي نتاج عقول وظروف وتجارب عمرها مئات الأعوام، فهي صنيعة إنسانية تراكمية مرتبطة بمكانها وتاريخها، وتجاوزها والتحرر منها لا يكون بالتصادم معها لأنها مدعومة بعمقها وامتدادها الذي يتفوق على الرؤى الثورية (التي هي ككل الرؤى تكون في بداياتها هشة ومتواضعة) وإنما يكون عن طريق إدراك مدى عمقها وارتباطها وتفكيكه، واختبار الوجود الذي تحجبه خلفها، بدرسها لا بكسر رأسها.

سئم الواقع العربي من التقليد الأعمى لكن الحل لن يكون في التمرد الأعمى بل بالثورة المبصرة.

الزمان يدور وهذه سنته، والمستقبل ليس لأصحاب الرؤى الصحراوية أو زمن الأبيض والأسود، ولن يكون للتمرد الأعمى الأحمق، المستقبل للثوار الجدد الذين يفهمون زمانهم ويحترمون ثقافتهم، فليتحلوا بالصبر والبصيرة ليحتلوا المكان الذي يستحقونه في وراثة البيت الأبوي ليرتقوا به دون أن يرتكبوا جريمة قتل الوالدين أو كسر البيضة بالفأس.

تابعنا على تويتر


Top