تعقيم الحرية

حنين النقري

كثيرًا ما يسوق معارضو الثورات أمثلة تظهر حجم الخسائر التي دفعتها بلدان الربيع العربي كدليلٍ على عدم مشروعية مطالب الثائرين في أيّ منها، كعبارة “هي هية الحرية يلي بدكن ياها” المتداولة في سوريا باعتبار الحرية المطلب الأول والهدف الأسمى من الثورات.

ورغم أن هذه البلدان تعيش مرحلة انتقالية غير مستقرة ولم تنتهِ تجاذبات عوامل الهدم والبناء بعد، ولمّا تهدأ قوى الحراك فيها، لكن هل يصح أخذ الحرية كمنتهى غايات الثورة وكهدف نهائي لتضحيات جليلة؟

بقليلٍ من البحث يمكن ملاحظة أن الكثير من الدول تتمتع بمستوى عال من الحرية (حرية التفكير والتعبير، النقد السياسي، التجمع، إنشاء الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني)، لكن هذه الحرية لم تساعد على تكوين مجتمع متقدم أو دولة متقدمة في كثير من الحالات، ورغم كونها المطلب الأول حضاريًا إلا أنها لم تفرز حالة حضارية، بل قد ترزح بعض من هذه الدول «المتحررة» تحت أشكال سيئة من الفساد والتخلف.

يشكل لبنان مثالًا عربيًا واضح المعالم في هذا الصدد؛ إذ يتمتع بالعديد من المميزات الفريدة عن الساحة العربية، فالحريات فيه واسعة الدائرة عالية المستوى، ووسائل إعلامه طليقة من كلّ إسار، والنقد حرفة يتقنها الصحفيون والكتاب بلاذع الكلمات، فيصل التجريح أعلى مناصب الدولة، كما أن الممنوعات الداخلية على كثرتها تبدو قليلة إزاء الممنوعات العربية، والممنوعات الخارجية على قلتها تبدو معدومة إزاء مثيلتها العربية. وعلى الرغم من كل هذا يحتاج لبنان إلى نهضة شاملة حاجة البلاد العربية الأخرى.

ويبدو غريبًا للوهلة الأولى كيف أن هذه الحريات الكثيرة لم تتح قليلًا من التقدّم على صعيد البلاد بأسرها، إذ تعيش هذه الحريات جنبًا إلى جنب مع حياة سياسية طائفية وشلل في مؤسسات الدولة وواقع خدماتي سيئ، مترافقةً مع فساد إداري واسع الطيف ومحسوبيات ومديونية باهظة وخلافات سياسية مستشرية وبطالة عارمة واقتصاد منهك، ناهيك عن هجرة أعداد متزايدة من اللبنانيين إلى دول أخرى ربما لا تكون أكثر حرية، لكنها أقل فسادًا.

فما الذي جناه لبنان من توافر أدوات الحرية على ساحاته وتعطيلها بمرجعيات طائفية لا شعبية، وبتفاهمات تحكم مؤسسات الدولة جميعها؟

الحديث عن لبنان ليس حالة استثنائية في الحرية العاقر، فكثيرًا ما مرت الحرية عبر التاريخ البشري بحالات عقم، قد تكون وفق سياق معين أو نتيجة لفعل مقصود من قبل حكومات تمنح الحرية بعد إعقامها.

ولسنا ننفي هنا أهمية الحرية في تطور الشعوب ونهضة الأمم، بل هو تأكيد على كونها شرطًا لازمًا وأساسيًا لكنه غير كاف بحد ذاته ما لم تتوافر شروط أخرى، قد يأتي في مقدمتها العمل على البناء العلمي والفكري للشعوب، فالحرية هي الجو الذي نحتاجه لأي عمل وليست العمل ذاته؛ الأمر الذي يجب التنبّه له في سياق حراك الربيع العربي، فالحرية لم تكن يوما مركبًا سحريًا لنهضة الشعوب أو الأمم.

تابعنا على تويتر


Top