تراث داريا يفقد قيمته بين ركام المنازل المدمرة

-داريا.jpg

تمام محمد – بيروت

“قيشاني، لحّاشات، صمديّات”، هي أوعيةٌ زجاجيةٌ وفخاريةٌ ووسائد مطرزة وتحفٌ نحاسية اعتاد أهالي داريا عرضها فوق خزائن البيوت؛ ربما يراها الضيف أوانٍ وأثاث منزلٍ عادي، إلا أنها تعني أكثر من ذلك لأصحابها، فهي ما “توارثه الأجداد والآباء للزينة والعرض فقط دون الاستخدام العملي”.

وكما أي جزء صغير من داريا المعرضة للقصف والمعارك المستمرة في أحيائها وسياسة التفخيخ وحفر الأنفاق، كان لهذا التراث نصيب من التخريب، ما أدى إلى ضياعه وفقدان قيمته.

«كنت أملك 5 أطقم من الشيني الثقيل و20 من الخفيف و6 أزواج لحاشات، أزين بها بيتي، لكنه دمُر بما فيه» كما تقول أم رياض، وهي امرأة مسنّة هجّرت إلى لبنان، مظهرةً أسفها عن خسارة الأثاث الضروري في الدار الدارانية وفي جهاز العرائس بحسب قولها «حفاظًا على عادات وتقاليد أهل البلد».

ولم يكن سعر هذه القطع البسيطة زهيدًا، إذ وصل ثمن الزوج منها قبل عام 2011 إلى 30 ألف ليرةٍ سورية، إلا أنه تراجع أثناء الثورة نظرًا لقلة الإقبال على شرائها. وتعتبر مريم، النازحة إلى صحنايا، أن هذه المقتنيات مصاريف زائدة لا قيمة لها، خصوصًا بعد خسارتها لأثاث منزلها ”إذا كتب الله لي العودة إلى داري سأشتري غسالة أوتوماتيك بدلًا من الصمديات، لم يبقَ لها قيمةٌ عندي بعد الخسارة الكبيرة».

وعن سعرها المرتفع وسبب اقتناء العائلة للقيشاني تحدث أبو الخير، النازح عن المدينة مؤخرًا، «كان الشيني لدينا بمثابة ذهبٍ للعروس تبيعه عند الحاجة الماسة لتساعد زوجها»، مشيرًا إلى عدم استفادته من وجودها في بيته «بقيت لدي 31 عامًا لم نستفد منها بشيء؛ الله أعلم ماذا حصل بها بعد نزوحنا”.

أما أم محمد، وهي سيدة دمشقية متزوجة من أحد أبناء داريا، فكان لها رأيٌ آخر، إذ أفادت عنب بلدي أنها لم تكن مرتاحة لوجود هذه القطع في بيتها «لا أعتبرها فلكلورًا يحمل أي قيمة.. هي مجرد زبادي»، مشيرةً إلى تعلق أهل المدينة كأهالي دمشق وغيرها بهذا التراث «أصرت أم زوجي على وجودها في بيتي إثر الزفاف على الرغم من رفضي لذلك».

وتخلى الجيل الجديد بدوره عن هذه العادات نظرًا للحاجة في ظروف الحصار خلال السنتين الأخيرتين وغياب قناعته فيها بالأصل بحسب «أبو إبراهيم»، أحد مقاتلي المدينة الذين تحولوا إلى استخدامها لأغراض أخرى، «من كثرة القصف وشدته تحطمت الأواني الزجاجية، ما دفع بعض الشباب إلى سكب الطعام فيما تبقى من هذه الأواني الأثرية»، كما يقول أبو إبراهيم، مردفًا ”فداهم… فليذهب كل شيء المهم أن يبقوا بخير».

وكانت قوات الأسد قامت بداية الحملة المستمرة منذ عامين بحملة “تعفيش” للأثاث الذي سلم من القصف في بيوت داريا ومزارعها التي تقع تحت سيطرتها في المنطقة الشرقية، لتباع في أسواق الأثاث المنتشرة في السومرية والمزة 86 بأسعار زهيدة.

تابعنا على تويتر


Top