طاسة وضايعة

بيلسان عمر

ندرك بأن الحقيقة المرئية التي تظهر لأعيننا ليست سوى المظهر الأكثر سطحية للواقع، فمثلًا جبل ثلج لا يطفو على السطح سوى ربع حجمه، بينما ثلاثة أرباع حجمه غير مرئية ومغمورة بالماء، وكذا الضجيج الناجم عن أصوات المدافع وطائرات الميغ وصواريخ السكود، فأصواتها ونتائجها المحسوسة قد تضلّلنا عما هو أكثر أهمية، عن الفاعل الحقيقي لها.

ولنستحضر رأي الروائي اليوناني اسخيلوس بأن «أول ضحية في الحرب هي الحقيقة»، ومع أن نتائج الحرب محسوسة، ويمكن ملاحظتها، بل وحتى توقعها، إلا أنها أيضًا تبقى مجردة، إذ تمتد لأبعد من الوقت الراهن، بغض النظر عن الخيار الأفضل الملائم لمن سيبقى، إلا أنها حرب تطحن برحاها الكل حتى مؤيدي فاعلها، فقصف في العاصمة دمشق تتبناه المعارضة، وبذات الوقت قصف في غوطتي دمشق من قبل النظام الأسدي، ولا يسع المواطن إلا أن يقف أمام أسوأ معادلة في التاريخ، يتساوى فيها الضحيّة مع الجلّاد.

أربع سنوات ومن يطلق عليهم اسم مؤيدي نظام الأسد وكذا المحايدين، ما زالوا يدّعون بأن الحقيقة طاسة وضايعة، ويطالبونه بحمايتهم من المسلّحين، ويتنصلون من تحمل مسؤولياتهم تجاه إغاثة أهالي المناطق المحاصرة، بأضعف إيمان قدره حسن استقبال المهجّرين من تلكم المناطق، لا أن يحمّلوهم جرم ما يفعله قائدهم المفدّى وآلة حربه في مناطقهم، وها هي قذائف المسلحين على حد تعبيرهم في عقر العاصمة دمشق، والحكومة غير قادرة على حمايتهم، فما عساه حال الحقيقة هذي المرة؟

نحن لم نعتد على التشفي من أحد، والقذائف تنهال علينا معهم، من كلا طرفي الحرب، ولكن بذات الوقت لا نحب الرماديين، ليس تمثّلًا لقول رئيسكم الغر في خطابه «أن لا رمادي بيننا في الأحداث، إما أبيض أو أسود» وإنما لأنه حقًا الرمادي غير محبب في الحرب، وهو الذي يتلاعب بفهمه للحقيقة، مدّعيًا أنها الضحية الأولى للحرب، حتى قبله، وطاسة وضايعة مرة أخرى.

فما نعاينه –بل حتى ونعاني منه- من نتائج مرئية، إنما يشهد على تحولات اجتماعية، تجلّت في انقسام المجتمع إلى طبقات من فئات مستقرّة، وأخرى مهجّرة أقل درجة في سلّم كماليات بل وحتى أساسيات الحياة –إن صح التعبير، وثالثة محاصرة ورابعة مغتربة، والأكثر ألمًا فئة المعتقلين والمغيبين قسريًا، تلكم الورقة التي يتشبث بها النظام، ومرة أخرى ضاعت حقيقة نشوء تلكم الطبقات، والفاعل الحقيقي لها، فيحاول البعض لمآربه الخاصة عدم إظهار العمليات التي أعطت هذا الطابع، مما يسبب انعكاسًا غير كامل للحقيقة، ويشوّه الواقع، وتحاول كل طبقة أن تجعل من ذاتها محدودة الامتداد، ولا تسمح لذاتها برؤية الطبقات الأخرى، لعدم اعترافها بها، أو تهربًا من مسؤولياتها تجاهها، ومرة ثالثة طاسة وضايعة.

فمن ناحية الصحافة والإعلام كل طرف له وسائله الخاصة التي يسعى بها إلى إظهار الحقيقة كما يرتئيها، فالطرف الظالم يحاول إخفاءها ولو بقوة السلاح، ويعتبر بأن الحرب هي بحد ذاتها صراع لتغييب الحقيقة وإسدال الستار عليها، ويسعى لملاحقة أصحاب القضية بقتلهم أو اعتقالهم وتغييبهم،  في حين يجاهد الطرف المعتدى عليه نفسه للحصول على إعلام محايد يظهر وجهتي النظر، وأفعال الطرفين، بينما تعتقد الفئات الشعبية بأن الحقيقة والمعلومات السرية التي يمتلكها طرفا الحرب، تتلون بلون زائف، وتختلط الحقيقة بين الرأي والمشاعر والمعتقدات والخطط السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بين صدق مرة وكذب مرات ومرات.

ولك أن تسأل نفسك: هل أنت مواطن مسؤول هدفك الحقيقة، أم زبون إعلام ارتضيته أنت لذاتك الضعيفة أمام وضوح الحقيقة، فحقيقةً أنا لست معك بأنها طاسة وضايعة!

تابعنا على تويتر


Top