كلنا متساوون.. ولكن! فقط في العبودية

لو ألقينا نظرة على حلقات التفاوت بين أفراد المجتمع، سواء بسبب اختلاف الملكية أو السلطة أو الاستبداد، لوجدنا أن الأولى نجم عنها ما يسمى الفقير والغني، والثانية أنتجت حالة القوي والضعيف، في حين أفرزت الثالثة حالة العبد والسيد، وبالمحصلة الأفراد كلهم متساوون، لكنها مساواة في العبودية، فالأفراد عبيد للسلطان، والسلطان عبد لأهوائه وللدول العظمى، والغني عبد للمال، والقوي عبد لمصلحته، فأين وكيف الخلاص؟

دعونا نؤمن ولو اعتقادًا بمبدأ نفي النفي، والذي يتحول بموجبه المضطهِد إلى مضطهَد، والقاهر إلى مقهور، والخلاص بالثورة وبالثورة وحدها حتى التحرر والتحرير، ولتبقى العلاقة بين الظالم والمظلوم أشبه بصراط بالغ الدقة، يحتاج إلى بهلوان حتى يحافظ على التوازن بين الإرادة العامة وحرية الفرد، وبالطبع فإن تحقيق هذا التوازن والحفاظ عليه يشبه تحقيق معجزة، وهنا يجد الفرد نفسه معرّضًا إما للميل في اتجاه التمرد الفكري، أو الميل باتجاه هيمنة السلطة، فهي ثورة أو لا ثورة، والخيار لك ولقدرتك عل الميل الصحيح.

أسواق النخاسة انتهى أجلها، وبيع الرقيق كذا الأمر، نعم هذا صحيح، ولكن هل انتهى معهما عصر الرق والعبودية، أم ترانا في عصر استعباد حتى الفكرة والكلمة لصاحبها؟، فقد قالها يومًا عمر بن الخطاب «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا»، وكذا الفيلسوف روسو عندما أقرّ بأنه «يولد الإنسان حرًا ثم يكبّل بالأغلال»، ليلفت كلاهما النظر إلى العبودية بشتى مجالاتها، للقوي والسلطان والمال وعادات المجتمع، والأفكار البالية، والعقل المتحجر، والإعلام الموجه لفئة ما والمسيّس لمصالحها، والإيديولوجيات التي تنخر في ثنايا مجتمعاتنا حتى العظم، والطائفية الدينية والاجتماعية، التي تستعبدنا لغير الله ، وباسم الله، والقانون المسيّر لخدمة الجاني، وفي أشد الأيام قساوة قوانين طوارئ تزيد الاستعباد ومظاهر الذل، في ظل زعماء يصلون للسلطة بانتخابات مزوّرة، ويبقون مدى الحياة، حتى الأحلام باتت تستعبد صاحبها، يختزلها جميعًا بحاجاتها الأساسية، لا بأمنياته ومخططاته سعيًا للأفضل، وتركز الموارد بأيدي فئة قليلة تحارب المستضعفين في الأرض بلقمة عيشهم، وهل هناك أقسى من (عبودية الحياة)، حين يصبح الإهمال عنوان نهضة، ويمسي الخوّان شهمًا يناضل، وغيرها الكثير، ثم تسمع بعدها صوتًا خافتًا يحاول أن يؤكد لك، وبعد كل ما سبق من أمثلة، إننا لسنا جميعًا متساوون في العبودية.

حتى وأنت تدّعي رعايتك لمصلحة الآخرين، فتفكر بالنيابة عنهم، وتحررهم من استعباد مسؤولياتهم والتزاماتهم لهم، فتأكد أن عملك هذا ليس إنسانيًا، فعظمة إنسانيتك ليس في حجم أعمال الخير التي تفعلها، وإنما في تحررك من عبوديتك، ومن استعباد الآخرين، وتوجهك نحو الاختيار الحر، وكذا ترك المجال لهم ليكونوا أحرارًا، وللصدق نحن نهاب أن نواجه حقيقة أننا مستعبدون، ونقنع أنفسنا بأننا أحرارًا، فنتعلق بوهم أننا وإن كنا عبيدًا فبإرادتنا لا بإرادتهم، فلسنا عبيد قهر لهم ولوسائلهم، فنتهرب من الحقيقة ومن التحرر بالوقت ذاته.

هل حركتم أوتار العود يومًا لعبد أفنى حياته أمام رغبة سيده –على اختلاف هذا السيد-؟، فكل المعزوفات وصلتنا عن الشجاعة، الحرية، الثورة، فتنبهوا واستفيقوا يا عباد الله! الأرض لكم، وكما قال بيغوفيتش يومًا « إذا كان العالم لا يناسبكم، فغيروه لكي يناسبكم، العقلاء يفعلون ذلك»، فقدّسوا الحرية حتى لا يحكمكم طغاة الأرض، فالأرض لنا مرة أخرة، وكلنا متساوون في العبودية، وأنت أخي فلماذا إذًا تخاصمني، وتستعبدني، لا أراك ولا تسمعني، فهذي يدي، وهات يدك، وهيا بنا ثورة ثورة حتى التحرر من استعبادنا.

 

تابعنا على تويتر


Top