الدكتاتورية إرهاب مقنن

أمجد علي

في الثالث من شباط الجاري انصدم العالم ببث تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مقطع فيديو يظهر فيه إحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة حيًا، ما استدعى استنكارًا دوليًا ومؤسساتيًا وحتى على نطاق الأحزاب والمؤسسات الإسلامية التي تعتبر نفسها تنتهج الإسلام “المعتدل”، وعلى رأسها الأزهر الذي دعا إلى قتل وصلب وتقطيع أوصال عناصر داعش في خطوة منه ليبرهن على أن الإسلام بريء من أفعال التنظيم؛ فهل من المنطق أن تنهَ عن خلق وتأتي بمثله أو بما شابهه؟

إن الجريمة الأخيرة ليست مستغربة عن تنظيم الدولة الإسلامية وهي جزء بسيط من سلسلة جرائمه، وليست الأولى حتى باتباع الإعدام حرقًا حيث مارس هذه الجريمة بحق الأطفال وهذا ما جاء بتقرير لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة حيث لفتت، إلى أن مسلحي التنظيم يبيعون الأطفال العراقيين المخطوفين في الأسواق كرقيق ويقتلون آخرين، بينهم من يصلب أو يحرقون أحياء.

لكن المستغرب وربما ليس بالغريب أيضًا عن حكومات دكتاتورية القيام برد فعل لامبرر له، كما فعلت حكومة الأردن بإعدامها ساجدة الريشاوي وزياد كربولي فجر يوم الرابع من شباط لعام 2015 بعد ساعات من حرق داعش للطيار الأردني الأسير.

ساجدة الريشاوي وزياد الكربولي كانا موضوع صفقة التبادل بين الحكومة الأردنية والتنظيم، وساجدة هي امرأة عراقية جنّدها زوجها للقيام بعملية انتحارية في فندق راديسون في عمان، الأردن عام 2005.

حكم القضاء الأردني عليها بالإعدام وتم تجميد الحكم كونها لم تتسبب في قتل أحد ولأن  لديها ثلاثة أطفال صغار السن يعيشون مع أقربائها، ولم تستغرق محاكمة ساجدة حينها أكثر من نصف ساعة.

لكن محامي الدفاع عن المتهمة الأستاذ حسين المصري، قال ساعة إصدار الحكم: «ساجدة الريشاوي برئية لم ترتكب أي جريمة ولم تقتل أحدًا، ولم تكن موجودة في فندق راديسون ولو كانت موجودة لكانت ميتة أو مصابة أو اعتقلتها قوات الأمن في الفندق”.

وأكد محامي الدفاع أيضًا أن القصد الجرمي لم يكن متوفرًا عند المتهمة، وهو ركن أساسي في إثبات الجريمة، وهو أيضًا شرط لازم لاستحقاق العقاب، مضيفًا أن التوصيف القانوني الأنسب هو “شروع ناقص بالفعل”.

واللافت، أنه لم تستنكر أي من الدول أو المنظمات جريمة الأردن، باستثناء الاتحاد الأوروبي ومنظمة العفو الدولية حيث انتقدا تنفيذ حكم الإعدام بحق كل من ساجدة الريشاوي وزياد كربولي، كما أدانا إحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة حيًا.

وقالت المفوضة العليا للسياسة الخارجية والأمن بالاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني في بيان إنه يجب بذل كل الجهود لمكافحة الإرهاب ومحاسبة الجناة، لكن ردّ فعلنا على الخطر الذي يشكله يجب أن يكون متسقًا مع قيمنا المشتركة للعدالة واحترام الأسرى.

وأضافت أنه يجب احترام القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني، وأن الموقف الأوروبي المعارض لعقوبة الإعدام ما زال كما هو دون تغيير، مشيرة إلى اعتقادها أن عقوبة الإعدام لا تحقق أي أثر رادع.

كما انتقدت منظمة العفو الدولية الإعدام الذي نفذته الأردن بحق الريشاوي والكربولي، معتبرة أن الرد بالإعدام انتقامًا لمقتل الطيار الأردني ليس هو الحل، واعتبرت المنظمة أن إعدام الطيار حرقًا هو عمل وحشي وضد الإنسانية.

وأضافت أن السلطات الأردنية روعت بالطريقة البشعة التي أعدم بها الطيار، لكن الرد يجب ألا يكون باللجوء إلى عقوبة الإعدام، معتبرة العملية “عقوبة قاسية ولا إنسانية وغير مهنية”.

أما بالنسبة للولايات المتحدة فلم يصدر منها أي موقف واضح سوى أنها مع حكومة الأردن في مكافحة الارهاب ومحاربة تنظيم داعش، فهل من الممكن أن يفهم أنها تؤيد الأردن بتنفيذ عقوبة الإعدام بحق الريشاوي وكربولي؟

ولو كان الحكم بالأردن ديمقراطيًا ويتمتع القضاء بصلاحياته واستقلاليته، هل سيصدر مثل هذا الحكم أم أنه سيعتمد على القانون والحيثيات في إصدار أحكامه لا على أوامر سياسية ونزوات عشائرية.

لسنا بموقع الدفاع عن ساجدة الريشاوي وزياد الكربولي، لكنني تطرقت لسرد تفصيل بسيط أوضح به أن جريمة التنظيم الارهابي داعش، قابلها بعد ساعات قليلة جريمة من قبل الحكومة الأردنية لاتقل دناءة عن الأولى، مع اتفاقنا أو اتفاق البعض منا على إرهاب هذا التنظيم؛ فهل من الممكن أن نتفق أنه لا فرق بين دكتاتورية الحكومات وإرهاب التنظيمات وعلى أن الأولى هي منبع هذا الإرهاب وسبب ظهوره؟

الدكتاتورية شكل مقنن لإرهاب يمارس ضد شعب بأكمله، فموقع تنفيذ جريمة داعش بحق الطيار الأردني ليس بعيدًا عن معتقلات الأسد، المسؤول الأول عن ظهور هذا التنظيم، حيث استشهد في هذه المعتقلات تحت التعذيب ما يزيد عن 10 آلاف معتقل وثقوا بالصور والوثائق الموجودة حاليًا على رفوف الأمم المتحدة. وفي نفس اليوم الذي ارتكبت داعش جريمتها قصفت طائرات الأسد الحربية والمروحية عدة مناطق في المحافظات السورية بنحو 130 غارة، أسفرت عن استشهاد وجرح أكثر من 160 مواطنًا مدنيًا بحسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان».

تابعنا على تويتر


Top