في عالم فقد عقله .. هل الحيلة هي الحل

يتحدث علماء النفس أن النفس البشرية لديها آليات دفاعية، يطلق عليها اسم «حيل دفاعية»، وهي تلجأ إلى هذه الآليات أو ردود الفعل (الميكانزم الدفاعية) لتحاول أن تخلق للكيان الإنساني وضعًا طبيعيًا يحافظ على توازنه ويجنّبه الصدمات عندما تعترضه ضغوط كبيرة.

عندما تسمع الأم مثلًا خبرًا ليس بوسعها احتماله، فإنها تنكره، فتجدها ترفض خبر استشهاد ابنها، وتبقى منتظرة عودته إليها لتمسح بأصابعها جبينه، وهذه آلية دفاع لا شعورية يلجأ إليها «اللاوعي» ليتقي الضغط الهائل الذي سيقع على الأم إن صدّقت، وذلك ما يطلق عليه علماء النفس اسم «آلية الإنكار»، وهي ذاتها لجأ إليها «عمر بن الخطاب» عندما سمع خبر وفاة الرسول فأشهر سيفه وتوعد بقطع رأس من يقول أن النبي مات.

يوجد الكثير من الآليات النفسية الدفاعية التي يقسمها الباحثون إلى آليات واعية، وناضجة، يلجأ إليها الإنسان وهو واع بها ومدرك لها، وإلى آليات بدائية غير ناضجة لا يعيها المرء ولا يدركها. وهي تحدث في باحة اللاوعي واللاشعور.

وبحسب علم النفس فإن استخدام هذه الآليات يزداد كمًا ونوعًا، كلما ازدادت النفس الإنسانية هشاشة، فهي تعمل كحامٍ للنفس الداخلية، تظهر كلما ازدادت الحاجة إليها وتزداد الحاجة كلما ازداد العالم الداخلي للإنسان ضعفًا أو اشتدت الأخطار التي تهدده.

وفي سياق العنف العالمي والتعصب والدم والفوضى الخلاقة، وفي سياق التهجير والثورات التي أصبحت حروبًا، والجنون الذي يقود المشاهد، والمنطق الذي تنحى ولم يعد ينطق، والأشياء التي لا يمكن فهمها أو تفسيرها .. في سوريا في الدرجة الأولى، ثم في الوطن العربي وفي العالم، يبدو مألوفًا ومفهومًا أن يلجأ الناس، حتى المفكرين منهم والنخب والقادة، إلى الآليات والحيل الدفاعية والأكاذيب بشكل كبير، إلى حد لا يصدق في الحقيقة.

مثلًا مؤيدو النظام عندما يرون الدماء أنهارًا في شوارع الغوطة الشرقية فإنهم ينكرون مسؤولية النظام ويلقونها على «زهران علوش» وفق آلية (التبرير والإسقاط) ورجال السياسة الذين يغتصبون الحرية وينكلون بها صباحًا.. يتغنون بها ليلًا، فتسمع ديكتاتورًا كبيرًا كحافظ الأسد يقول «إننا نعشق الحرية ونريدها لنا ولغيرنا!»، وهذه آلية دفاعية تسمى آلية (الرد العكسي) وهي أن يخفي الإنسان شعوره الحقيقي، ويكبته، ويظهر شعورًا مناقضًا له بالكلية.

كذلك طلاب الحرية الذين وقفوا ودماؤهم على أكفهم، ليغنوا: حرية للأبد .. ترى كثيرًا منهم اليوم يلعنون الحرية ويمجدون العبودية، إنها (آلية النكوص) وهي عودة الإنسان إلى مراحل بدائية من نضجه لعجزه عن تحمل تبعات وثمن النضج.

والأمر ذاته بالنسبة لأولئك الذين يملؤون الدنيا صراخًا عند موت طفل في مكان ما، ثم يبتلعون ألسنتهم عند موت المئات في مكان آخر.. بسكين أخرى (آلية التجزئة والتقسيم)، وكذلك المحللون الذين يحمّلون الدول الخارجية مسؤولية جميع الهزائم والانكسارات أو النظام مسؤولية فشل العمل السلمي (آلية التبرير).

معظم الآليات الدفاعية التي تحدث عنها علم النفس تجدها اليوم ساطعة ظاهرة في السلوك الفردي والجماهيري في التعامل مع القضايا والأحداث التي لا يتوقف جنونها، فهل نحن شعوب هشة من الداخل أم أن ما يتعاقب أمامنا لا يمكن لعقل بشري أن يستوعبه ويحتمله ليتعامل معه؟

ليس عن جلد الذات أتحدث، فالمصائب التي تتالى ولا تعرف أن تأتي فرادى، تنصبّ على عقل الإنسان العربي ونفسه ولا تترك له سبيلًا ليبقى معافى النفس سليم العقل، فيحلل ما يرى دون حيل وآليات، وتلك الفوضى الخلاقة وأنهار الدم والمعارك التي لم تعد معارك بين طرفين وإنما ساحات تصفية حسابات دولية، لم تبق للعقل عقلًا، فكيف للنفس أن تحتمل هذه الرزايا والبلايا الملونة بكل ألوان الطيف؟

من الطبيعي جدًا أن يلجأ العقل الفردي والوعي الجمعي لهذه الحيل اللاشعورية الذكية، فهي تحمي العقل من الجنون في عالم فقد عقله، وتحفظ الإنسان من الانتحار في كوكب ينتحر كل يوم، ولكن البقاء تحت سلطتها سيجعل كل محاولات التغيير عبثية وبلا جدوى، فهي تخدر الشعور بموضع المشكلة الحقيقية، وتنقل الإنسان من الفعل إلى رد الفعل ومن التصرف إلى الدفاع ومن النضج إلى الطفولة.

هذه الآليات إذًا سلاح ذو حدين، فهي مفيدةٌ تؤتي أكلها إن سلط عليها العقل أنواره وفهمها، لكنها وبال على صاحبها إن بقيت تحت سطوة الجهل، وهذا الانتقال والعبور من عتمة الجهل لسلطان الوعي يحتاج إلى نخب واعية وإلى جهود علماء النفس ودراسة المفكرين وبحثهم، ولعله يستحق منهم ذلك.

 

تابعنا على تويتر


Top